عبد الصمد بن شريف.. الحبر والحرف

شخصــــي

jeudi 5 octobre 2006

من صدام الحضارات إلى الصدام الإعلامي

maasaeكيف يمكن أن نجعل من وسائل الإعلام أداة للتقريب بين الثقافات والحضارات، وإقامة جسور للحوار بين الشعوب عوض نسف و تلغيم هذه الجسور؟

أكيد أن الجواب عن هذا السؤال، يفترض وجود قناعات و مبادئ واستعدادا فكريا و نفسيا للإنخراط في ورش التحالف الحضاري، كما طرحه رئيس الوزراء الإسباني "خوسي لويس ثاباتيرو"، كما أن الأمر يتطلب من وسائل الإعلام الغربية، أن تعيد النظر في كثير من مرجعياتها ومكونات خط تحريرها، ليس في اتجاه ما يخل باستقلاليتها، ولكن بما يخدم مصداقيتها، وهذا يعني القيام بنقد ذاتي، وليس بالضرورة تقديم أعذار وجبر الضرر.

بديهي أن وسائل الإعلام، لديها أجندة تجارية و سياسية يفرضها المالكون والمساهمون، كما أن لديها إكراهات إعلامية تجاه الجمهور، لكن هذه الإكراهات والأجندة لا يجب أن تكون مبررا لارتكاب الأ خطاء، والسقوط في الهفوات.

مثلا عندما أخدت أحداث الضواحي في فرنسا، أبعادا مأساوية في لحظات معينة، فضلت بعض القنوات الفرنسية أو مجملها، الاحتراز والتزام الحيطة وتجنب نعت مرتكبي الأحداث بالعرب والمسلمين، بخلاف القنوات الأمريكية التي سارعت إلى استعمال كلمات الخطر الإسلامي، وفي مقدمة هذه القنوات   "fox news "، التي لم تتردد في دعوة المواطنين الأمريكيين إلى مغادرة مواقع الاضطرابات.

وهنا يوجد بيت القصيد، فالأمريكيون كانوا تاريخيا، ينظرون إلى العرب والمسلمين نظرة احتقار، وتعاملوا معهم بكثير من الإهانة، الشئ الذي بلور تصورا سلبيا لدى المسلمين اتجاه الولايات المتحدة. وفي طليعة ذلك أن أمريكا مرتبطة بإسرائيل، والملاحظ أن أحداث 11 شتنبر2001، لم تعمل سوى على تعميق وتكريس الصور النمطية، فقد تغير التمثل الأمريكي لصورة العربي والمسلم بكيفية جوهرية بعد هذه الأحداث، وغذى هذا التمثل المنزع الديني والاديولوجي في صفوف المحافظين الجدد، وأضفت عليه وسائل الإعلام اليمينية بعدا راديكاليا، وهكذا أصبح الإسلام لدى شريحة عريضة من الرأي العام الأمريكي، هو الآخر بامتياز، وهذا الآخر متعدد الدلالات عنف ـ رفض ـ كراهية ـ تخلف ـ استبداد الخ.

وحل محل الخطر الشيوعي الأحمر، فأضحى الإسلام هكذا مقياسا لحرارة وحماس المشاعر الوطنية للشعب الأمريكي. وإذا كنا نعتقد أو نقر بأن هناك صداما إعلاميا، على غرار صدام الحضارات بين الغرب والعالم الإسلامي، فمن المؤكد أن وسائل الإعلام في المنطقة الإسلامية والعربية تتحمل مسؤولية كبيرة في ما يحدث و يجري، لكن لابد من طرح بعض الأسئلة حول طبيعة هذا الإعلام، من يتحكم فيه، ما نوع الخطاب الذي يروجه، ما هي الرسائل التي يبثها؟ هل الأمر يتعلق بإعلام واحد أم أنماط متعددة من الإعلام؟

الجواب عن هذه الأسئلة سيقتصر على الإعلام السمعي البصري، لأنه هو الأقدر على الوصول و الاستهداف. وعليه يمكن القول أن التلفزيونات الرسمية والعربية على وجه الخصوص، ظلت أحد العناوين البارزة لجمود النظام السياسي العربي، وعلامة ساطعة على ثقافته الاستبدادية، ونزعته الاقتصادية، فهذه التلفزيونات، وجدت لتصنع من الحاكم إلها، ومن أقواله نصوصا مقدسة، حلت محل النص الديني، لا ذكر إلا لإنجازاته، وسكناته وحركاته، وبقوة الأشياء يتم إقصاء مكونات رئيسية من المجتمع، وأغلق الباب في وجه المعارضين، وتجنبت إثارة نقاش جدي وصريح حول قضايا حساسة، مثل الإصلاحات السياسية والديمقراطية وحقوق الإنسان...

هذا النوع من من الإعلام الرسمي، أعطى صورة سيئة عن النظام السياسي العربي، ولم يفكر قطعا في أن يدخل في يوم من الأيام مجال المنافسة أو المهنية، وبدل أن يقدم على قرارات جريئة، ويطلق المقاربات الأمنية، راوح مكانه، وأضرب عن الإبداع والتجديد وعجز عن إقامة حوار مع الآخر، أو تقديم صورة إيجابية عما يحدث في الداخل العربي والإسلامي، فما كان على الجمهور العربي سوى مقاطعة هذه التلفزيونات، لأنها ببساطة تزيف وتفتري وتمجد وتشجع على ثقافة الاستبداد والرأي الواحد والانغلاق.

من هنا نفهم إلى أي حد يساهم الإعلام الرسمي العربي في نسج صورة أو خطاب، استغل من طرف وسائل الإعلام الغربية لتكوين قناعة ليست بالضرورة صحيحة تجاه الإسلام والقيم السائدة في المجتمعات العربية. وحتى عندما ظهرت عوامل موضوعية، لإحداث نقلة نوعية في المجال الإعلامي، فإن التناسل المطرد لمجموعة من القنوات العربية، التي أريد لها أن تلعب دورا في نشر صورة جديدة، وخطاب بديل عن العرب والمسلمين، فإن الإرادة السياسية الواقفة وراء هذه القنوات، لم تتخلص من نظرتها المحدودة، ونزعتها التدخلية، فتحولت هذه القنوات في كثير من الأحيان إلى وسائل لنشر ثقافة إسلامية محافظة أو منغلقة، ومنحت الكلمة لدعاة ومفتين، تنقصهم مقومات الانفتاح، وإرادة التحاور.

فانبروا يطلقون شعارات وخطبا تدعو إلى الجهاد، ولا تتوانى عن شرعنة العنف، وفهم من القنوات التي تبث صور الانتحاريين بالمفهوم الغربي والعلماني، والاستشهاديين بمفهوم المقاومة، على أنها تشجع على القتل والانتحار، علما أن الجهاد في الإسلام متعدد الدلالات والأبعاد. بما في ذلك اعتبار الفعل الإعلامي الهادف عملا جهاديا. وتتهم كثير من القنوات التي أطلقت لتسويق خطاب ديني جديد على أنها تننتج  ثقافة الموت، التي تعادلها بالجنة، في مقابل الجحيم فوق الأرض.

واللافت للنظر، هو أن هذه القنوات عوض أن تستدعي علماء منتصرين للعقل والتسامح والانفتاح، وعوض أن تنحرط في عمل إعلامي مهني يراعي التحولات والإكراهات، نجدها تراهن على دعاة جدد غير مؤهلين في العلوم الشرعية، وجزء من هذه القنوات،لا يجد حرجا في تغذية حرب العقائد والتحريض على الفتن. وقد وجد هؤلاء الدعاة الجدد، آذانا صاغية وسط مجتمعات تعاني من نسبة لايستهان بها من الأمية، فيما أخفق دعاة المؤسسات الدينية الرسمية في تحقيق نفس الانتشار.

ونجاح الدعاة الجدد يعزى في المحل الأول، إلى الطرح البسيط والمسطح، واعتماد واقعية إجتماعية في سرد المشاكل، إضافة إلى تعزيز الشروحات والمداخلات، بققص تدغدغ عواطف الجمهور، وتنفذ عميقا إلى قلبه وذاكرته. وكمثال على ذلك، تتوصل قناة "اقرأ"، حسب بعض الاستطلاعات، بحوالي 40 ألف بريد إلكتروني في اليوم، ومعظم الرسائل الموجهة إلى القناة ترد من فئة الشباب.

تأسيسا على ذلك نتساءل ألا يشكل هذا النمط من الإعلام، شكلا من أشكال الأصولية الإعلامية؟ أعتقد أن هذا النمط غالبا ما يحرص على العودة إلى الماضي والتقوقع على الذات، من تركيز الحديث على الهوية والخصوصية، علما أن هناك فريقا عريضا من المفكرين والمثقفين يعتبرون أن خطاب الهوية والخصوصية بالصورة السائدة، لم ينتج سوى مزيد من الهزائم والصدمات النفسية، وخيبات الأمل الجماعية، ما يفيد أنه يتعين عل المسلمين والعرب على وجه الخصوص، أن يرسموا أفقهم الإستراتجي بتغيير طريقة تفكيرهم.

Posté par abencherif à 17:16:27 - جريدة المســـاء المغربية - Commentaires [0] - Rétroliens [0] - Permalien [#]


samedi 23 septembre 2006

الجزائر ـ المغرب: حرب الرمال المستمرة

3انخرطت الجزائر المساندة والمحتضنة لجبهة البوليساريو منذ عقود في مجموعة من العمليات الهجومية ضد المغرب دبلوماسيا وإعلاميا، وكثفت من جهودها بهدف إنشاء محور يتشكل من الدول الإفريقية الأساسية خاصة جنوب إفريقيا ونيجيريا، والهدف من هذا المحور إضعاف الأداء الدبلوماسي للمغرب والعودة إلى أجواء "الحرب الباردة"، عبر حشد المعترفين بما يسمى بـ "الجمهورية الصحراوية"، في الوقت الذي قررت فيه أغلبية الدول الإفريقية ودول أخرى، سحب اعترافها بالجمهورية المذكورة.

وهكذا تحركت الآلة الدبلوماسية الجزائرية من جديد، وهذه المرة في العاصمة الكوبية هافانا حيث التأمت القمة 14، لمجموعة دول عدم الإنحياز باحثة عن شهادة حياة لمخطط بيكر الثاني، وما سبقه وماتلاه من مخططات. وظهر أن الجزائر هي البلد الوحيد الذي قدم فقرات حول الصحراء ضمن مشروع البيان الختامي للمؤتمر.


وحاولت فرض وجهة نظرها دون الأخذ بعين الاعتبار حقيقة هذا الخلاف ولا للتطورات التي عرفها مؤخرا داخل مجلس الأمن ، ومشروع الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية كتسوية سياسية واقعية ترضي جميع الأطراف وتحصن المنطقة ضد أي انفلات أمني. فعندما التقى العاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، في قمة سرقت الأضواء من القمة العربية في الجزائر، في مارس2005، وجذبت إليها اهتمامات وسائل الإعلام، ظن الجميع أن لتلك الصورة، التي التقطت لهما إيحاءات وإشارات سياسية وإنسانية، ورجح مراقبون أن التطبيع بين الرباط والجزائر بات وشيكا، وأن فتح الحدود بين البلدين مسألة إجراءات وعامل وقت.

3وفي المقابل هناك من رأى أن للعلاقات المغربية الجزائرية طبيعة خاصة، فالبلدان ليسا صديقين، وليسا عدوين في الوقت نفسه، فمنذ استقلال الجزائر أغلقت الحدود أكثر مما فتحت، وبلغة الأرقام، 20 مقابل 19 لمصلحة الإغلاق والقطيعة، وتواجه جيشا البلدين مرتين، الأولى خلال ما أصبح يعرف بحرب الرمال، في 1963، والثانية في موقع "مقالة" ،في الصحراء، في1976 ، لكن البلدين الجارين عرفا كيف يضبطان نفسيهما، ويحافظان على الحد الأدنى من التواصل الدبلوماسي.

ومعروف أيضا أن نزاع الصحراء المغربية، وموقف الجزائر بدعمها لجبهة البوليساريو، ماديا ودبلوماسيا ولوجيستيكيا، وتمكينها من القواعد الخلفية، أوجد حالة احتقان حادة استمرت أكثر من ثلاثين سنة. وكلما كانت تصل الأمور إلى عتبة الأسوأ، تتدخل الحكمة ويرجح العقل لتفادي حمام دم محتمل. وظلت العلاقة بين الجزائر والمغرب، سجينة كليشيهات وصور نمطية تستهلك في هذا البلد أو ذاك، وتغذيها وسائل الإعلام، وكانت حرب الاتهامات، والاتهامات المضادة، السمة المميزة لفترة التوتر، لكنها ستتراجع نسبيا في خضم اندلاع "الحرب الأهلية"، في الجزائر، إذ ستفرض استراتيجية مواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة تهميشا ملحوظا لجبهة البوليساريو، فالأولوية ستعطى لقطع دابر منتجي الإرهاب، ومنعشي الحرب الأهلية.

وقبل ذلك، كانت هناك لحظات حميمية، وتقارب بين الملك الراحل الحسن الثاني والرئيس السابق الشاذلي بن جديد، لكن بعد إقالة الأخير، وإجهاض المسلسل الانتخابي في الجزائر في 1992، تبخرت محاولات المصالحة أو أجلت. وكان مستبعدا توقع مفاجأة سارة، تأتي من الجانب الجزائري، لأن المسؤولين المغاربة كانوا يعتبرون من حلوا محل الشاذلي بن جديد، وفريقه هم صنيعة المؤسسة العسكرية، وأجهزتها الموازية، وحتى عندما حضر الرئيس بوتفليقة جنازة الحسن الثاني، وحرص فيما بعد على بعث رسائل في مناسبات كثيرة للملك محمد السادس، لم تتخذ الأمور منحى إيجابيا، وبات كل شيء يبدو سرابا..

وستعرف العلاقات الثنائية منعطفا صعبا بدءا من الدورة 58 للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث دخلت دبلوماسية البلدين في حرب كلامية وإعلامية غير مسبوقة، وقدم المغرب مذكرة تفصيلية اتهمت صراحة الجزائر بالوقوف وراء العراقيل، أمام الوحدة الترابية للمغرب، خصوصا أن بوتفليقة لم يتردد في وصف المغرب بالقوة الاحتلالية، وهو ما اعتبر هجوما مقصودا وخيارا تصعيديا، يهدف إلى الإبقاء على التوتر، ودخلت على الخط صحافة البلدين لتضيف نفسا جديدا للتوتر.

وعلى رغم هذه التطورات بادرت الرباط إلى رفع التأشيرة عن الجزائريين الراغبين في دخول الأراضي المغربية، ولئن رأت الطبقة السياسية وكل شرائح المجتمع المغربي في القرار خطوة في الاتجاه الصحيح، ودليلا على النية الحسنة، اعتبرت السلطات الجزائرية الإجراء أحاديا، ووجهت ضمنيا عتابا ونقدا للمغرب، لأنه لم يطلع الجزائر على الخطوة مسبقا، وهذا ما شجع على القول إن هناك عجزا ذاتيا بين البلدين في إقامة المصالحة، والتي لا يمكن أن تتحقق إلا بوساطة أمريكية أو أوروبية، وفي هذا السياق، تأخذ الإشارات، والرموز بعدا استثنائيا في العلاقات الثنائية بين الرباط والجزائر فقد ارتفعت نسبة التفاؤل وتوطد الأمل في النفوس، عندما اتخذت الجزائر قرارا ظل منتظرا يتمثل في رفع التأشيرة عن المغاربة، وتوجهت الأنظار إلى مسألة فتح الحدود، إذ هناك من توقع أن تفتح في غضون أسابيع، لكن الرئيس بوتفليقة رفع اللبس، وأعلن من باريس أن الأمر يتطلب عدة أشهر، وربط تطوير العلاقات الثنائية وبناء اتحاد المغرب العربي بعلاقته هو بالملك محمد السادس.

تعاطى المراقبون في المغرب مع هذه التصريحات بحذر وتوجس كبيرين، ورأوا فيها تبديدا للآمال، وداخلت النفوس الشكوك بوجود توجه داخل الجزائر يقف في وجه المصالحة، وينتصر لخيار تسميم العلاقات الثنائية، ويتوقف هؤلاء عند مفارقة وجود فجوة وعدم توازن بين التقارب السياسي والمواكبة الإعلامية له، حيث تبدو هذه المواكبة في أحيان كثيرة معاكسة لطموحات الشعبين، والقيادة السياسية في البلدين

Posté par abencherif à 18:22:00 - جريدة المســـاء المغربية - Commentaires [0] - Rétroliens [0] - Permalien [#]
« Accueil  1