jeudi 25 mai 2006
رهان الوردة
فجأة، حاصرتني تضاريس صورتك، فوجدت نفسي مدفوعا إلى مراجعة ما لدي من قنوات كي أخاطبك.. سافرت تكهناتي إلى مناطق مختلفة من جغرافية التواصل، نهلت من صوفية الشرق وعقلانية الغرب، فاستقر بها السعي على أن إذابة جليد المسافة القائمة بين دهشة الاكتشاف، ولحظة الإشراق، تستدعي تدخل كل اللغات واستنفار كافة الحواس من أجل العثور على مدخل مرن يفضي إلى امبراطورية الشمس التي وحدها تملك صلاحية إصدار ما يناسب من الأحكام في قضية ترفض الإذعان للمقتضيات القانونية والتأويلات الفقهية.
بتلقائية عارية، عكفت على رصد الجهات التي تطلع منها أقمار سفرياتك المبهمة، واستثمرت ما لدي من رأسمال رمزي، لأزج بك في زنزانة، منحوتة من المرمر واللؤلؤ والمرجان، ومحروسة من قبل نجوم لا تكف عن التوهج، ونافورات تتدفق منها أنغام تصيب سامعها بأقصى درجات الانتشاء.
وقفت قبالتي، كمهرة جامحة، ملوحة ببيرق عنادها، أرسلت شظية من عينيك لتعدميني، وتدفق من وجهك المرشوش بالعطر البلدي ماء حارق له لون ومذاق وإيقاع، وبينما أنا منصعق تحت وطأة المشهد، أمسكت بقلبي كي لا يسقط من شرفة الوقت، وأعطيت الأوامر لذاكرتي كي تستحضر ركام الصور التي اخترقتني وراقبت عن كثب كينونتي حتى لا تصاب بالهلاك والفساد الوجودي.
تحسست دواخلي. فألفيتها غابة من حرائق الأسئلة وصحراء أسطورية يؤثتها عويل الرمل وأنين الفراغ. وبين السؤال ونظيره، كنت أركض حتى لا أصبح مفازة تمقت بهاء الورد، وحتى أؤمن لمنازلتي هامشا واسعا، ينقذني من الوقوع في مخالب التهلكة، لأنني أخشى النهايات المجانية، وأجهش بالاعتراف إذا استسلمت، ودمي سيلون تفاصيل خياراتك، وسيكون شاهد إثبات على نزوعك البطولي. وحساباتك المفتونة برهان الإخضاع والإرضاخ والإخصاء، تساءلت كمن يبحث عن برادة اللغة، وحياد الحواس:" أي قاسم مشترك يوجد بين دمك ودمي؟ وهل في متناول القلب أن يعزف نشيد ابتهاجه من دون التورط في دهاليز الشكوى والجوى والتمسك بالأوهام؟
بشكل استفزازي، كنت أقرأ في غنجك تلك الترسبات التي انحدرت إليك من مواضعات العشيرة التي طوقتك بجحافل الحسب والنسب، ونظافة المنبت، ورقة اللغة، ورشاقة القوام، وجذرت في دماغك إيديولوجيا التفوق الجهوي، وحرصت على أن تكوني في طليعة المدافعين عن هذا التراث/ الخصوصية، ضمانا لاستمراريته في الزمان والمكان، وتعبيرا عن الارتباط الدموي والروحي بمصير العشيرة ومآلها.
قد تكون هذه الاحتمالات مجافية للصواب، بيد أن سبر أغوار الباطن اللغوي، وإلقاء القبض على خلفيته ومكوناته وإحالاته، يكشف النقاب عن تفاعلات لا شعورية تمتد في الذاكرة، وتهيكل نمط التفكير وترسم أفق الوعي الممكن، ومن الصعب أن تتصوري أو تعترفي أنك ضحية نظام قيمي يتعقب قلبك ودماغك، آناء الليل والنهار، ويطبق بتوجسه على دائرة ما يمكن أن تقدمي عليه من حسم يحررك من ربقة الازدواجية الخانقة، ويمكنك من الإمساك بزمام المبادرة.
فيما يشبه المفارقة، ركبت أمواج بحر هائج، وقررت أن أقاوم، وأن أداري العواصف العاتية، فقد أصل إلى شط الأمان، وقد ألقى حتفي إذا ما اختطف قلبي موت مباغت، حاولت التقاط ذبذبات تخميناتك، لأضبط نوع الفصيلة التي تنتمين إليها، وتتأبطين تطلعاتها. والتماسا للوضوح، سألتك قائلا: "هل أستطيع الاقتراب من حدودك المكهربة؟"
فتر ثغرك عن ابتسامة تشي بوجود وثوقية مزمنة.
وبلهجة مفعمة بالسخرية، شككت في بلاغة البوح، وأبيت إلا أن تحافظي على موروث العشيرة لتغذية النموذج "المثالي" الذي لقنته إياك، وأمرتك بعدم التفريط فيه أو المساس بقدسيته.
.. لم أركع لوحش عنادك الكاسر، لأنني اخترت أن أدافع عن المكاشفة وإن تطلب مني ذلك تمريغ صورتي والتطويح بها إلى هوة الرهانات الخاسرة.
عرفت أن عالمك الصغير يعيش على إيقاع تناقضات صارخة، وثمة جروح تقض مضجعك.. حكيت لي عن كل شيء، وأفرجت عن الكثير من أسرارك، فانتابتني رغبة عارمة في الانتماء إلى سلالتك الغامضة، لأناوشها وأشاكسها، وأحرضك ضدها كي تتمردي على مقاييسها الموغلة في محاربة الورد، والحيلولة دون ترعرعه، وتألقه في مساحة القلب.
خاطبتك بلغة سلمت أنها صادقة: "يفصل بيني وبينك ضباب المدينة والدم المؤكسد، يستحيل يا مريم أن تغيب هذه الشموس التي تعودت أن تغتسل كل صباح في عينيك الصافيتين، فالدمار أيتها الوديعة لا يخيب فرحة الطفولة".
أطلقت العنان، لأحلامك كي تتوسع، جثم كائن الصمت على شفتيك، أخذت نفسا عميقا، ونطقت بصوت رخيم قائلة "قد يحصل ذلك". وكمن أرهقه الانتظار وحز في قلبه أن يذهب اعترافه سدى، تأملتك طويلا وتورطت فيك مرددا:
"أحب، أحب، لا أستطيع الرجوع الى أول البحر
لا أستطيع الذهاب الى آخر البحر قولي
إلى أين يأخذني البحر في شهوتك
وكم مرة سوف تصحو الوحوش الصغيرة في صرختك
خذيني لآخذ قوت الحجل
وتوت زحل
على حجر البرق في ركبتيك"
مقطع من رواية "مصرع أحلام مريم الوديعة"واسيني الأعرج
من ديوان "هي أغنية... هي أغنية" ص. 53 محمود درويش
jeudi 16 mars 2006
دفاعا عن القناة الثانية "دوزيم"
داخل التجربة يكتب الصحافي عبد الصمد بنشريف عن المآل الذي صارت إليه الأوضاع داخل القناة الثانية وعن معاناة سبعمائة مستخدم في القناة يقفون ضد تقويض تجربة صنعوها بإيمانهم وحبهم لقناتهم وبلدهم، وحرصوا على أن تكون قناتهم قناة للمغاربة أجمعين..
لم يكن إطلاق مشروع القناة التلفزية الثانية مجرد صدفة، أو نزوة إعلامية، أملتها العوامل الظرفية العابرة، بل إن هذا المشروع الإعلامي جاء في سياق التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي بات يعيشها المغرب منذ 1989، وفي خضم المتغيرات الدولية المتسارعة، ونظر إلى القناة في وقتها، بكونها منتوجا لرؤية استباقية، جاء ليلبي حاجيات ومتطبات المجتمع المغربي، بأسلوب يعكس دينامية وتعددية هذا المجتمع، القائم على الانفتاح بمدلولاته المختلفة، والمسكون بالرغبة في اللحاق بركب التطورات التي مست وسائط الاتصال الجماهيري في مختلف بقاع العالم
ورغم ما يمكن أن يوجه من انتقادات إلى التجربة التي نحتتها القناة الثانية، والمقاربة التي استندت إليها، للتعاطي مع الأحداث الوطنية والدولية، والفرادة التي راهنت عليها، لتصوغ نموذجها الإعلامي في عالم ينهض على منطق التنافس ومعيار الجودة، فإن الشيء المؤكد هو أن القناة الثانية شكلت بكل المقاييس، في بداية تسعينيات القرن الماضي، نقلة نوعية في الحقل الإعلامي المغربي والعربي، ومعطى جديدا حظي باهتمام جميع الفاعلين. اليوم، وبعد مرور سبعة عشر سنة، وبعد سلسلة من التحولات والمحطات والقرارات والمستجدات، والانتقال من القطاع الخاص إلى العمومي، ومن البث المشفر إلى البث بالواضح، وبعد أن أصبحت قناة تشاهد في مختف أرجاء المعمور، من المفروض أن تكون القناة الثانية، قد بلغت سن الرشد المهني والإعلامي، وبالتالي جاز القول، بأن المغرب أصبح يتوفر على تلفزة راكمت، عبر سيرورة زمنية لم تكن بالضرورة مستقرة، داخليا وخارجيا، وأن هذه القناة تشكل فضاء عموميا، يساهم في ترسيخ ثقافة الاختلاف، وإرساء الحوار السياسي، وإعطاء الكلمة للمجتمع المدني ومجمل ألوان الطيف الحزبي، وإبراز ثراء وعمق الهوية المغربية المركبة، واكتشاف نخب جديدة، بعيدا عن منطق المدح أو القدح، ويبدو أن المنافسة الإعلامية الشرسة، والولادة السريعة لمئات الفضائيات، جعلت المشاهد المغربي أمام عدة اختيارات، دون أن يخضع لتوجيه أو رقابة
لكن ونحن نحتفل ببلوغ القناة الثانية سن الشباب، نلاحظ أنه منذ حوالي أربع سنوات انزلق هذا المشروع الإعلامي إلى كثير من الأخطاء والمطبات، وتحول في وقائع كثيرة، إلى طرف فوض إليه تصفية حسابات مع أحزاب، ومنابر إعلامية وطنية وعربية، وتيارات فكرية وجمعيات، وحلت محل وزارة الخارجية والعدل، والداخلية، في مناسبات كثيرة، بل إنها لم تتردد في إشعال نار الفتنة وإثارة النعرات، وتأليب جزء من الرأي العام ضد الجزء الآخر، مع بث ربورتاجات تعليقاتها أشبه ببيانات عسكرية، محررة بلغة لا علاقة لها بالصحافة، ولا بأخلاقياتها، مما يشكل انحرافا خطيرا، يضرب في الصميم مشروع القناة في حد ذاته، ويجهز على الرهانات التي رفعتها، والأهداف التي وجدت من أجلها، ولئن كان الذين يسهرون على هندسة هذا "النهج الإعلامي" ودعم منفذيه، بتوسيع مجال امتيازاتهم، وتحصين مواقعهم، واعتبارهم أدوات متنفذة في تسويق صورة المجتمع الحداثي الديمقراطي، ودولة المؤسسات، والدفاع عن قضايا المغرب العادلة، في الداخل والخارج، فإنه يتعين على من يقف وراء هذا السلوك "الإعلامي"، وعلى من يشرف على تأطير نجومه، أن يدرك أنه من الأفضل، ومن الأجدى، الحفاظ على القناة التلفزية الثانية "دوزيم"، فضاء عموميا يعكس حيوية المجتمع المغربي، وتنوعه، وعراقته، وأداة إعلامية تنقل بمصداقية وموضوعية الأحداث والوقائع والآراء، بمنأى عن الحسابات الضيقة، والمعالجات الشعبوية، وإعمال منطق اللوائح السوداء، التي تضم الممنوعين من الكلام عبر القناة الثانية. والغريب في الأمر هو أنه في الوقت الذي كان يتحتم على القناة الثانية أن تغطي وتنقل أحداثا وقعت في المغرب، وكان لها وقع نفسي وسياسي على الرأي العام، مثل مظاهرات المتعاطفين مع جبهة البوليساريو في الداخل المغربي، والذين عمدوا إلى إحراق العلم الوطني، وفي الوقت الذي يتم فيه تهريب جملة من قضايانا وملفاتنا الداخلية إلى فضائيات عربية وأوربية، فإن القناة الثانية تمعن في تضييق مساحة الحوار السياسي، والنقاش المهني لهذه الملفات والقضايا، وإذا تم التطرق إلى بعضها فإنه يحدث من منطلق يهدف في المحل الأول إلى إفراغها من مضمونها، وإعطاء الانطباع للرأي العام بأن مشاكله لها مكانتها ضمن اهتمامات القناة، بل في أحيان كثيرة تستعمل لهجة جريئة، ليترسخ في أذهان المشاهدين أن مساحة حرية التعبير في القناة لا حدود لها. واللافت للانتباه، أنه في ظل الأخطاء المهنية القاتلة، وكان آخرها الربورتاجات التي أنجزتها القناة حول الاعتصامات التي نظمت للاحتجاج على أحد المنابر الإعلامية، لكونها أساءت لشخص الرسول الكريم، فإن الأمور ظلت على حالها، وكأن شيئا لم يقع، رغم أن أخلاقيات المهنة تعرضت لأسوإ انتكاسة في تاريخ الإعلام العمومي المغربي
كما أن لا أحد ممن يعتبرون أنفسهم ممسكين بزمام الأمور في القناة الثانية، ومتحكمين في رسم سياستها وتعيين من يتولى تدبيرها، رفع صوته ليقول كلمة حق، وليعلن بشكل صريح "كفى" لمنطق المزاج، وكفى للولاءات التي لا تصلح، كمعيار لتحديد من يتحمل المسؤولية، وهنا نتساءل: هل من يدورون في فلك صانعي القرار، ومن يوجدون في محيطهم، وتحت حمايتهم يجوز لهم أن يجعلوا من مواقعهم في المسؤولية، وسيلة للإجهاز على الجودة والمهنية والمصداقية، وتمريغ أخلاقيات الصحافة، وتحويل قناة عمومية إلى أداة لخدمة المصالح الخاصة؟. ليس هناك أدنى شك في أن ما يناهز سبعمائة مستخدم في القناة الثانية تداس كرامتهم من خلال السلوكات التي أشرنا إليها، لكنهم في المقابل لن يقبلوا بنسف وتقويض تجربة صنعوها بإيمانهم وحبهم لقناتهم وبلدهم، وحرصوا على أن تكون القناة الثانية قناة للمغاربة أجمعين، خصوصا وأنهم سجلوا في أكثر من مناسبة مواقفهم وعبروا عن تصورهم للعمل التلفزيوني، مثلما حدث في ثالث ديسمبر 1998، عندما توقفوا عن العمل وحملوا الشارات الحمراء دفاعا عن استقلالية القناة، وأخلاقيات المهنة، وكرامة الصحافيين، ودفاعا أيضا عن أن تكون القناة فضاء لحوار يعكس تنوع الآراء، كما جاء على لسان مقدم نشرة الظهيرة في ذلك اليوم، وكما جاء على لسان الصحافي والكاتب المتميز محمد العربي المساري، الذي كان وزير الاتصال وقتئذ، حيث قال أمام البرلمان: "إن هؤلاء الصحافيين ساهموا في تطور المسلسل الديمقراطي في المغرب، وإن القناة الثانية تعطي الكلمة لمختلف مكونات الطبقة السياسية في المغرب
http://www.aljareeda.ma/article.php3?id_article=2900











