jeudi 25 septembre 2008
جمعية أريد تفتح ملف الحداثة في الخطاب الحزبي المغربي
أرضية الندوة التي تنظمها جمعية الريف للتضامن والتنمية حول موضوع" الحداثة في الخطاب الحزبي المغربي " يوم 26 شتنبر 2008 بفندق حسان بالرباط على الساعة التاسعة ليلا
تاريخيا، ارتبطت الحداثة في الخطاب الحزبي المغربي بالصراع حول سؤال المرجعية والعلاقة بين التراث، خصوصا في لحظة الاصطدام بالآخر، والمتمثل في التجربة المغربي في الاستعمار الفرنسي، لذلك كانت أولى الأفكار تدور حول علاقة الحداثة بالإسلام، فنجد أطروحة تدعو ل "حداثة الإسلام" وقدرته على تقديم أجوبة لأسئلة الدولة والتنظيم والمجتمع جسدها علال الفاسي في كتاباته "النقد الذاتي" و"الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان"، في مقابل مشروع محمد بلحسن الوزاني الداعي إلى "تحديث الإسلام" ومركزية الديمقراطية والحقوق في لحظة النضال للحصول على الاستقلال وبمرجعية تنهل من فكر الدستورانية والأنوار.
لقد كان سياق الاستقلال، مناسبة لإعادة طرح سؤال الحداثة من خلال المداخل السياسية والدستورية، الاقتصادية والاجتماعية...والملاحظ، أن خطاب الحداثة لدى الفاعل السياسي المغربي، قد تم تأسيسه دون قطائع مع الماضي، إذ يتعايش في العمق مع التقليد سواء في محتوى قواعد اللعبة السياسية أو داخل المؤسسات وبشكل مادي/رمزي، أو ببنية الأسرة والمجتمع المغربيين، إنه انتصار لصيغة للتعايش حداثة/تقليد تؤطر إما بالخصوصية المغربية أو بمفهوم التقليدانية.
مركزية التعايش بين التقليد والحداثة في الخطاب الحزبي المغربي، قد أدت إلى محدودية دعوات الحداثة المبنية على القطيعة والمبشرة بنموذج آخر للدولة والمجتمع محكوم بقيم الكونية والعلمانية...فالخطاب الحزبي –بشكل عام- يحضر فيه ثابت "الخصوصية" بغض النظر عن مرجعية الحزب وايديولوجيته.
لكن، سياق الانفتاح السياسي وخطاب الانتقال الديمقراطي، قد جعل قضايا المجال العمومي تستعيد هذا النقاش في مناسبات انتقال الملك، العدالة الانتقالية، الاعتراف بالأمازيغية كموكن للهوية الوطنية، مدونة الأسرة، أو النقاش المؤسس في أعقاب أحداث 16 ماي 2003...وفي كل هذه اللحظات كان الصراع بين مرجعية الخصوصية والعالمية، فمعارضو الاولى يعتبرونها تحمل مشروعا لأسلمة الدولة والمجتمع، في حين أن منتقدي الثانية يذهبون إلى كونها مرادفا للتغريب وابتعادا عن القيم الثقافية الأصيلة للمجتمع.
إن طبيعة الانقسام الذي أحدثته هذه التيمات، هي التي جعلت الحل يكمن دائما قي "التوفيقية"، أي إبداع صيغة للتعايش بين المرجعيات/الاطراف/المطالب...وقد تم الاستنجاد في كل الحالات بالفصل 19 من الدستور الذي يمنح للمؤسسة الملكية صفة "أمير المؤمنين"، لذلك يطرح السؤال، هل يمكن للحداثة أن تتم وفق آلية تقليدية؟.
ثابت التعايش بين الحداثة والتقليد في الخطاب الحزبي المغربي، لا يحجب فكرة وجود اختلاف في المستويات التي يجب أن تمسها الحداثة، إذ يظهر المستويين السياسي والدستوري والمجال الاقتصادي كواجهات للاتفاق بين أحزاب مختلفة من حيث الإيديولوجيا والأدوار السياسية، إذ كلها تدعو إلى وضع دستور ديمقراطي يقر بفصل السلط ويعيد التوازن للمؤسسات ويضمن حقوق الأفراد وإلى وضع قواعد صريحة لاشتغال الحقل الاقتصادي تدور حول الشفافية والمنافسة...، حالة الاتفاق هذه سرعان ما تتحول إلى وضع اللاتوافق حينما يقترب التحديث كآلية من بنية المجتمع أو ثقافته أو لغته أو معتقده...
إذا كانت هذه سمات الخطاب الحزبي للحقل الرسمي، فإن حقل الاحتجاج يحفل بتصورات مغايرة، ويمكن أن نقدم بصددها الأمثلة التالية:
- خطاب حول العلمانية وأولوية المرجعية الدولية، وهو خطاب تحمله اليوم الجمعيات الحقوقية وجزء من مكونات اليسار.
- خطاب يتفق مع مضمون الخطاب الأول، في استحضاره لقيمة العلمانية وللمرجيعة الدولية للحقوق، ولكن في تعايش مع قراءة لماضي يمتد عميقا لإعادة اكتشاف مكونات الثقافة الامازيغية، مع حمله لهم التحديث من مدخل "دمقرطة اللغة".
- خطاب مغرق في الأصولية ويتبنى قراءة أرثودوكسية للنص الديني ويحلم بإحياء نموذج "الخلافة".
لكل ذلك،تطرح هذه الندوة الأسئلة التالية:
* هل قدر الحداثة بالمغرب ومسلسل التحديث أن يتم في تعايش مع التراث والتقليد؟، وهل من الممكن تجزيء مسلسل الحداثة والقبول ببعض مكوناتها ورفض أخرى، أم أن الأمر يتعلق بارتباط عضوي غير قابل للتفكيك والتجزيء؟.
* كيف تتمظهر الحداثة في الخطاب الحزبي وفي المشاريع السياسية المقدمة؟، وهل الإيمان او رفض الحداثة يمكن أن يشكل معيارا للتصنيف والتمييز داخل الحق الحزبي المغربي؟.
* وهل بنية المجتمع قادرة على دمج جرعات إضافية للتحديث؟.
وفي الأخير، هل "النموذج المغربي" قادر على الاستمرار في الإبقاء على ثابت التقليد في مقابل الإدماج المنتظم لصيغ التحديث؟.
mercredi 24 septembre 2008
2009 غدا
مهما حاولت الأحزاب السياسية التقليل من الآثار السياسية والمجتمعية والنفسية للنتائج التي أسفرت عنها الانتخابات التشريعية التي جرت في 7 شتنبر 2007 ، فإن النقاشات التي فجرتها مرحلة مابعد هذا الاستحقاق ، والكيفية التي دبرت بها المفاوضات المتعلقة بالمشاركة في الحكومة التي يرأسها حاليا عباس الفاسي الأمين العام لحزب الاستقلال، ووجود مشاعر متناقضة ومواقف متباينة داخل الأحزاب حول المشاركة في الحكومة من عدمها، وظهور توجهات أو على الأصح تعبيرات تدعو إلى التجديد وإعادة البناء تنظيميا وإيديولوجيا في أكثر من حزب، وارتفاع أصوات نشطاء حزبيين مطالبة القيادات والأجهزة الحزبية بضرورة تحديد رؤية سياسية تكون مرجعية في مختلف المحطات السياسية والمواعيد الانتخابية والاستحقاقات.
كل هذه العناصر وغيرها لعبت دروا أساسيا في تحديد الحجم السياسي والشعبي للأحزاب السياسية ورسمت الصورة الحقيقية لمدى انسجام ومصداقية خطابها وقدرتها على اقتراح البدائل، وصياغة الأرضيات التي من شأنها أن تطلق نقاشات ومواجهات فكرية، ومواقف واضحة وأطروحات تمتلك مقومات الإقناع وليس إثارة الشكوك حول جدوى العمل السياسي وتنفير المواطنين من المشاركة الانتخابية.
ومهما استثمرت الأحزاب الشرعيات، وتسلحت بمختلف الذرائع، وحملت جزءا من تدهور واختناق العمل السياسي ومحدودية المشاركة الانتخابية للدولة ومؤسساتها المنتشرة في كل مكان، وهذه حقيقة تاريخية لا مراء فيها، فإن مجمل الأحزاب يتعين عليها أن تعترف وبجرأة عالية، بأن جزءا مهما من إخفاقاتها وانتكاس العمل السياسي وتتفيه المحطات الانتخابية، كامن في ذاتها وفي طريقة تدبير أجهزتها وتواصلها مع المواطنين، وارتهان الاجتهاد الفكري والنظري في ممارستها إلى المناسبات مثل "اقتراب موعد المؤتمر" أو وجود هزة سياسية على غرار ماحدث بعيد الانتخابات التشريعية الأخيرة .
نعتقد أن تبني نظرية المؤامرة من طرف العديد من الأحزاب، والحديث عن وجود مخططات تسعى إلى تقزيمها وتهميشها وتدميرها، وهذه فرضيات بعضها مازال صحيحا حتى تثبت الوقائع عكسها، فيه هروب من الواقع الحزبي ذاته، وتغطية على الأعطاب التنظيمية والبياضات الفكرية والصراعات الشخصية والمصالح الضيقة التي تؤجل انبثاق أي رؤية للتجديد، أوبلورة تعاقد جديد تجاه المجتمع.
علما أنه عندما تكون هناك رؤية وفلسفة محددة يلتف حولها الناس، يمكن لقائد حتى لو كان لايتوفر على مواصفات الكاريزما، أن يقود الحزب ويتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، وعندما تغيب هذه الرؤية، فإنه يصعب ويتعذر حتى على من يمتلك قدرا وافيا من الكاريزما ومن الخيال السياسي من أن يصل إلى تحقيق أداء متميز وقيادة القواعد.
من دون شك تدرك النخب الحزبية في المغرب، أنه لامناص من تحيين الأهداف والمفاهيم والتحاليل والتوجهات، ووضع القواعد الصلبة لإعادة البناء الإيديولوجي والبرنامجي الضروري، وتحديد التحالفات على قاعدة الوضوح والانسجام، وهذه في اعتقادنا شروط أساسية لأي اكتساح سياسي بالمعنى الايجابي للكلمة، ومدخل حيوي للحصول على جهاز سياسي عصري وفعال، يمكن من تبسيط طرق الاشتغال واتخاذ القرار، ويعطي القوة والمناعة لتصور الحزب للنموذج الاجتماعي، و يطلق الحوار والمواجهات الفكرية مع الجمعيات والنقابات وكل التعبيرات المجتمعية، ومن هنا يبدأ مشروع أو مشاريع تكوين أقطاب منسجمة تحظى بالمصداقية وتعكس التحولات الاجتماعية.
إن أي مشروع لايمكن أن يتحقق إلا عبر البناء المتين، والثقة في النفس والواقعية وتكريس ثقافة الاعتراف والنقد الذاتي والانفتاح. علما أن مسلك الشعارات وتبخيس واحتقار المبادرات الفكرية المنتجة لا يمكن أن يصوغ مشاريع وبرامج تجيب عن سؤال السياسة والمسألة الاجتماعية والاقتصادية ومعضلة التشغيل والصحة والتربية وخدمات الأعلام العمومي والعدالة والمساواة والحكامة الإدارية والتنوع اللغوي والتعدد الثقافي..إلخ. وكما أن العواطف الجياشة والملتهبة لا يمكن أن تصنع استراتجيات. فإن الفاعل الحزبي أو القائد السياسي الذي لا يقول الحقيقة للجماهير، ليس بقائد من الناحية الشعبية والسياسية والأخلاقية.
الآن وقد أوشكت التحضيرات المتعلقة، بالانتخابات الجماعية لصيف 2009 على الانتهاء وتم الإعلان عن ملاءمة التعديل الجماعي، وإحالة مشروع تعديل الميثاق الجماعي على البرلمان. وبغض النظر عن كون الميثاق الجماعي لم يستجب لكثير من الانتظارات، فإن الهدف الأساسي الذي أعلن عنه يتمثل في تقوية مسلسل اللامركزية، من خلال الرفع من فعالية الجماعات المحلية وقدراتها من أجل تطوير خدماتها. كما يروم مشروع إصلاح الميثاق دعم وتقوية آليات ممارسة الحكامة المحلية، وتوضيح الاختصاصات فيما يخص نظام وحدة المدينة، وتعزيز آليات تدبير المرافق العمومية بالمدن الكبرى. فإن الانتخابات الجماعية المقبلة ستشكل بامتياز المجهر الذي ستوضع تحته الأحزاب السياسية لتشخيص وقياس درجة فعاليتها ومدى تجاوزها للاختلالات والهفوات التي طالتها خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة.
فإلى إي حد أصبحت الأحزاب مستعدة لخوض استحقاق 2009، وماهي قدرتها الفعلية على إحداث قطيعة مع واقع السلبية واللامبالاة التي ميزت انتخابات 7شتنبر 2007، وماهي اقتراحاتها لتأمين الشروط الضرورية لاسترجاع الثقة في العمل السياسي وإعادة الاعتبار لسؤال السياسة والمشاركة الانتخابية ؟ وما السبيل إلى إقناع المواطنين بأهمية الانخراط الملتزم والواعي في المحطة الانتخابية 2009، بهدف رفع تحديات التنمية، وتوفير شروط المشاركة الواعية لتحصين وتعميق الاختيارات الوطنية الأساسية، المتمثلة أساسا في البناء الديمقراطي عبر الإصلاحات المؤسساتية والدستورية الضرورية، بما يلزم من المقومات لإحقاق العدالة الاجتماعية وبناء دولة الحق والقانون. كما يتعلق الأمر بكسب رهانات التنمية المستدامة عن طريق نهج الحكامة الجيدة والانخراط المسؤول والواعي للمواطنين في تحديد البرامج وتنفيذها وتقييم نجاعتها ومراقبة مردوديتها. ولعل الانتخابات الجماعية تعد أحد مداخل هذه المراقبة.
فما هو الجديد الذي سيتضمنه العرض الانتخابي للأحزاب السياسية لكسب ثقة الناخبين وحملهم على التوجه إلى صناديق الاقتراع لتجاوز انتكاسة 7 شتنبر 20007؟
واللافت أن الساحة السياسية الوطنية شهدت وتشهد تحركات لعدد من الفاعلين السياسيين والجمعويين بغية تشكيل تحالفات وتقاطبات جديدة.
فما هي آفاق وإمكانيات صياغة تحالفات حزبية قبل وبعد الانتخابات توخيا للعقلانية والمردودية ؟ وما هو حجم الفرص المتاحة لاعادة تشكيل المشهد السياسي الوطني؟ علما ان حصول ذلك سيشكل مؤشر على نضج الحقل السياسي واتجاهه نحو تشكيل أقطاب كبرى تتجاوز التحافات الظرفية ذات الطابع التكتيكي والتي يمليها الاستعداد للانتخابات الجماعية ؟
هذه هي المحاور و الأسئلة السياسية والمفصلية التي تسعى هذه الندوة للإجابة عنها .
أرضية الندوة التي تنظمها جمعية الريف للتضامن والتنمية حول موضوع الحداثة في الخطاب الحزبي المغربي
أرضية الندوة التي تنظمها جمعية الريف للتضامن والتنمية حول موضوع الحداثة في الخطاب الحزبي المغربي يوم 26 شتنبر 2008 بفندق حسان بالرباط على الساعة التاسعة ليلا
تاريخيا، ارتبطت الحداثة في الخطاب الحزبي المغربي بالصراع حول سؤال المرجعية والعلاقة بين التراث، خصوصا في لحظة الاصطدام بالآخر، والمتمثل في التجربة المغربي في الاستعمار الفرنسي، لذلك كانت أولى الأفكار تدور حول علاقة الحداثة بالإسلام، فنجد أطروحة تدعو ل "حداثة الإسلام" وقدرته على تقديم أجوبة لأسئلة الدولة والتنظيم والمجتمع جسدها علال الفاسي في كتاباته "النقد الذاتي" و"الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان"، في مقابل مشروع محمد بلحسن الوزاني الداعي إلى "تحديث الإسلام" ومركزية الديمقراطية والحقوق في لحظة النضال للحصول على الاستقلال وبمرجعية تنهل من فكر الدستورانية والأنوار.
لقد كان سياق الاستقلال، مناسبة لإعادة طرح سؤال الحداثة من خلال المداخل السياسية والدستورية، الاقتصادية والاجتماعية...والملاحظ، أن خطاب الحداثة لدى الفاعل السياسي المغربي، قد تم تأسيسه دون قطائع مع الماضي، إذ يتعايش في العمق مع التقليد سواء في محتوى قواعد اللعبة السياسية أو داخل المؤسسات وبشكل مادي/رمزي، أو ببنية الأسرة والمجتمع المغربيين، إنه انتصار لصيغة للتعايش حداثة/تقليد تؤطر إما بالخصوصية المغربية أو بمفهوم التقليدانية.
مركزية التعايش بين التقليد والحداثة في الخطاب الحزبي المغربي، قد أدت إلى محدودية دعوات الحداثة المبنية على القطيعة والمبشرة بنموذج آخر للدولة والمجتمع محكوم بقيم الكونية والعلمانية...فالخطاب الحزبي –بشكل عام- يحضر فيه ثابت "الخصوصية" بغض النظر عن مرجعية الحزب وايديولوجيته.
لكن، سياق الانفتاح السياسي وخطاب الانتقال الديمقراطي، قد جعل قضايا المجال العمومي تستعيد هذا النقاش في مناسبات انتقال الملك، العدالة الانتقالية، الاعتراف بالأمازيغية كموكن للهوية الوطنية، مدونة الأسرة، أو النقاش المؤسس في أعقاب أحداث 16 ماي 2003...وفي كل هذه اللحظات كان الصراع بين مرجعية الخصوصية والعالمية، فمعارضو الاولى يعتبرونها تحمل مشروعا لأسلمة الدولة والمجتمع، في حين أن منتقدي الثانية يذهبون إلى كونها مرادفا للتغريب وابتعادا عن القيم الثقافية الأصيلة للمجتمع.
إن طبيعة الانقسام الذي أحدثته هذه التيمات، هي التي جعلت الحل يكمن دائما قي "التوفيقية"، أي إبداع صيغة للتعايش بين المرجعيات/الاطراف/المطالب...وقد تم الاستنجاد في كل الحالات بالفصل 19 من الدستور الذي يمنح للمؤسسة الملكية صفة "أمير المؤمنين"، لذلك يطرح السؤال، هل يمكن للحداثة أن تتم وفق آلية تقليدية؟.
ثابت التعايش بين الحداثة والتقليد في الخطاب الحزبي المغربي، لا يحجب فكرة وجود اختلاف في المستويات التي يجب أن تمسها الحداثة، إذ يظهر المستويين السياسي والدستوري والمجال الاقتصادي كواجهات للاتفاق بين أحزاب مختلفة من حيث الإيديولوجيا والأدوار السياسية، إذ كلها تدعو إلى وضع دستور ديمقراطي يقر بفصل السلط ويعيد التوازن للمؤسسات ويضمن حقوق الأفراد وإلى وضع قواعد صريحة لاشتغال الحقل الاقتصادي تدور حول الشفافية والمنافسة...، حالة الاتفاق هذه سرعان ما تتحول إلى وضع اللاتوافق حينما يقترب التحديث كآلية من بنية المجتمع أو ثقافته أو لغته أو معتقده...
إذا كانت هذه سمات الخطاب الحزبي للحقل الرسمي، فإن حقل الاحتجاج يحفل بتصورات مغايرة، ويمكن أن نقدم بصددها الأمثلة التالية:
- خطاب حول العلمانية وأولوية المرجعية الدولية، وهو خطاب تحمله اليوم الجمعيات الحقوقية وجزء من مكونات اليسار.
- خطاب يتفق مع مضمون الخطاب الأول، في استحضاره لقيمة العلمانية وللمرجيعة الدولية للحقوق، ولكن في تعايش مع قراءة لماضي يمتد عميقا لإعادة اكتشاف مكونات الثقافة الامازيغية، مع حمله لهم التحديث من مدخل "دمقرطة اللغة".
- خطاب مغرق في الأصولية ويتبنى قراءة أرثودوكسية للنص الديني ويحلم بإحياء نموذج "الخلافة".
لكل ذلك،تطرح هذه الندوة الأسئلة التالية:
* هل قدر الحداثة بالمغرب ومسلسل التحديث أن يتم في تعايش مع التراث والتقليد؟، وهل من الممكن تجزيء مسلسل الحداثة والقبول ببعض مكوناتها ورفض أخرى، أم أن الأمر يتعلق بارتباط عضوي غير قابل للتفكيك والتجزيء؟.
* كيف تتمظهر الحداثة في الخطاب الحزبي وفي المشاريع السياسية المقدمة؟، وهل الإيمان او رفض الحداثة يمكن أن يشكل معيارا للتصنيف والتمييز داخل الحق الحزبي المغربي؟.
* وهل بنية المجتمع قادرة على دمج جرعات إضافية للتحديث؟.
وفي الأخير، هل "النموذج المغربي" قادر على الاستمرار في الإبقاء على ثابت التقليد في مقابل الإدماج المنتظم لصيغ التحديث؟.
dimanche 4 novembre 2007
بيان إلى الرأي العام حول زيارة الملك خوان كارلوس وعقيلته الملكة صوفيا إلى المدينتين المغربيتين المحتلتين سبتة ومليلية
تشكل الزيارة التي يقوم بها العاهل الإسباني الملك خوان كارلوس، وعقيلته الملكة صوفيا إلى المدينتين المغربيتين المحتلتين سبتة ومليلية، يومي 5و6 نوبر الجاري وهي أول مرة يزور فيها ملك إسبانيا المدينتين منذ استقلال المغرب سنة 1956، استخفافا بمشاعر المغاربة، و إهانة للكرامة الوطنية للمغرب.
وتعتبر هذه الزيارة التي طالب المغرب حكومة وقوى سياسية ومجتمعا مدنيا وإعلاما للعدول عنها ،مصدرا للتوتر الذي سيضرب العلاقات بين المغرب وإسبانيا في الصميم ، وتكشف عن وجود مفارقات في السلوك السياسي الاسباني الرسمي ، فلم يتردد رئيس الحكومة الإسبانية لويس رودريغيث ثباتيرو في “إجبار” العاهل الإسباني المعروف بصداقته مع العائلة الملكية المغربية على زيارة الثغرين المحتلين، من أجل قطع الطريق على غريمه الحزب الشعبي اليميني وكسب أصوات المتشددين الذين يطالبونه دائما بتأكيد “إسبانية” المدينتين، على بعد شهور من الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها في مارس المقبل، دون إدراك وتقدير لما يمكن أن يترتب عن استغلال ورقة «المشاعر القومية» والوطنية «التوسعية» من احتقان ومساس بحقوق الجيران، وبذلك يضع ثباتيرو مرحلة بأكملها في أفق مجهول و ليقطع مع المنطق الايجابي ، بما في ذلك إفراغ قرار البرلمان الاسباني المدين للفترة التي حكم فيها فرانكو من دلالته وأبعاده.
اعتبارا لكون زيارة العاهل الأسباني للمدينتين المغربيتين المحتلتين تمثل استفزازا رسميا للمغاربة ، فإن جمعية الريف للتضامن والتنمية التي تنتمي إلى منطقة الريف وتحديدا الحسيمة التي تختزن ذاكرتها مراحل مأساوية ومظلمة من مخلفات الاستعمار الاسباني ،تعبر عن إدانتها وشجبها القوي لهذه الخطوة غير البريئة ، وتؤكد أن هناك خطوطا حمراء تتعلق بالوحدة الترابية للمغرب لا يمكن القفز عليها ، كما تؤكد أن ملفات سبتة ومليلية وغيرهما من الجزر المحتلة، ينبغي أن تفتح بمسؤولية وبمنأى عن عقدة التفوق والحنين إلى النزعة الاستعمار، والإسراع إلى قبول المقترح المغربي بفتح الحوار حول المدينتين، وتطالب الجمعية الحكومة المغربية بالعمل الجدي والمكقف لاستعادة السيادة الوطنية على مجمل الثغور المحتلة ،بما فيها تلك الموجودة بمنطقة الريف التي ذاقت مرارة وويلات الاستعمار الاسباني وخلف فيها أضرارا مازالت آقارها قائمة حتى الآن. وتحيي جمعية الريف للتضامن والتنمية قرار المغرب باستدعاء سفيره في مدريد قصد التشاور ،وتحمل في الوقت نفسه السلطات الاسبانية أي تأزم في العلاقات الدبلوماسية.
وتسجل الجمعية أنه من شأن هذا العمل المسيء إلى المغاربة أن يلحق ضررا بالغا بالمصالح المشتركة والتعاون وحسن الجوارو بعلاقة الصداقة التي اخذت منحى ايجابيا في السنين الأخيرة بين البلدين.
تدعو الجمعية كافة القوى السياسية والنسيج الجمعوي والمثقفين والإعلام في إسبانيا إلى اتخاذ موقف جريء وأخلاقي بإنصاف المغرب في حقوقه التاريخية والجغرافية دون أن يعني ذلك إخلالا بمصالح إسبانيا ، وتهيب الجمعية بهذه المكونات التي تجمعها علاقات صداقة وتعاون بها ،لتصحح الصورة النمطية عن المغرب والتي هي منتوج استعماري بامتياز وجزء من هواجس واستيهامات الذاكرة الاستعمارية.
تعتبر الجمعية أنه إذا كانت بعض مخلفات وبقايا التاريخ السلبية مازالت تمارس وظائفها وتأثيراتها المعاكسة لمنطق المرحلة والمصالح المشتركة، فإنه يتعين علي من يغذي ويعمل علي تحصين هذه البقايا أن يتحرك صوب المستقبل، وأن ينصت برزانة وحكمة إلي حقوق ومطالب الضفة الأخرى، لا أن ينظر إليها كطرف أو كرقم باهت في المعادلات السياسية والجيو ـ ستراتيجية، وهذا ربما ما ينسحب علي الأوساط المتحكمة في صناعة القرار السياسي والإعلامي في إسبانيا، فعوض أن تنهج أسلوبا يراعي مكانة وقيمة المغرب ويقدر دوره الاقليمي والدولي وسمعته وصورته، فإنها انجرت إلي خيار اللعب بالمصالح المشتركة، وتسويق مواقف وخطابات الاستفزاز والعجرفة، عبر الطعن في قضية الوحدة الترابية للمغرب "، وتؤكد أن خدمة المصالح المشتركة والتوجه نحو المستقبل يمر عبر مقاربة مغايرة ورؤية تنتصر للواقعية التاريخية، والحتمية الجغرافية والبراغماتية السياسية، والشراكة الاقتصادية العادلة والعلاقات الثنائية التي تستند إلي المسؤولية والطموح والمصداقية، ومن هنا ترى أنه يتحتم علي الحكومة الاسبانية أن تراجع مواقفها و الكف عن إشهار سيوف مستلة من غمد استعماري.
في المقابل تدعو جمعية الريف للتضامن والتنمية إلى تطوير الاداء الديبلوماسي المغربي، لكي لايبقى حبيس منظور تقليدي تحكمه مقاربة ضيقة لم تتمكن من اختراق الطبقة السياسية، واستمالة المجتمع المدني ونسج روابط ذات مصداقية مع النخب الثقافية ووسائل الأعلام الاسبانية، وهذا لن يتحقق سوى من خلال تحديد معايير دقيقة للعمل الديبلوماسي بما يخدم مصالح المغرب ويؤمن لـه مصداقية دولية وكرامة لمواطنيه في الخارج .
samedi 19 août 2006
إكراهات التغيير.. ومتطلبات الجمهور
ندوة
الإعلام في العالم العربي والتواصل مع الآخر
17 و18 آب/ غشت 2006 ـ أصيلة
من إعلام السلطة إلى سلطة الإعلام
في العالم العربي:
إكراهات التغيير.. ومتطلبات الجمهور
ـ الإعلام العمومي المغربي نموذجا ـ
مداخلة
عبد الصمد بن شريف
صحافي وكاتب مغربي
شكلت وسائل الإعلام منذ أن أُدركت قيمتها الوظيفية أداة خطيرة وحاسمة في يد الأنظمة السياسية والتجمعات الإعلامية الضخمة، ولذلك لم يكن من السهل ولا من المتوقع أن تقدم الأنظمة تنازلا، يفسح المجال أمام إمكانية إعطاء الكلمة لمن يعارضونها، أو يدورون في فلك يعاكس مجراها، والأدهى من هذا أن الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العديد من البلدان، وخاصة العربية، غالبا ما كان وهميا، ومفترضا لأنه كان موجودا في وسائل الإعلام فقط.
هذه الوسائل/ الوسائط، أبدعت أيما إبداع في تنظيم التعتيم، وتسويق مشاعر الهدوء العام، والانسجام بين المواطنين وأجهزة الدولة، بيد أن العواصف السياسية، والرجات الديمقراطية، التي ضربت أنحاء مختلفة من العالم، خلقت وقائع، وواقعا جديدا، بات معه من الصعب أن تسند لوسائل الإعلام، نفس الوظائف الميكافيلية، وفرض علي الأنظمة السياسية، خاصة في العالم النامي والأطراف المرتبطة به، أن تغير سلوكها ومقارباتها، وذلك بإعلان قدر من القابلية والاستعداد للاندماج في نسق التحولات العالمية، التي أفرزت حماسا ديمقراطيا وسط الشعوب، وأذكت لديها الرغبة في أن يكون لها موقع في أجهزة الإعلام، لا أن تبقي مجرد عنصر سلبي محايد ومنذور للاستهلاك والاستسلام.
ويجوز القول هنا إن وسائل الإعلام لعبت دور المنقذ المحرر، لأنها بقدرتها وقوتها الضاربة، ساهمت إلي حد كبير، في فك العزلة عن شعوب طحنتها آلة الحجز، والقمع والتغييب، من مراكز صناعة القرار، والإشراك السياسي والمؤسساتي.
ونحن في المغرب، وبالنظر إلي تراكم نسبي، في مجال التعددية السياسية والإعلامية، مقارنة مع بعض الدول العربية، يبدو المشهد جريئا إلى حد ما، والإشارة هنا إلى الإعلام الرسمي الحكومي، الذي سبق له أن فتح نوافذ ضوء في فترات تاريخية معينة، لكن هذا الفتح أو الانفتاح، إذا صح التعبير، كان رغبة مزاجية، ولم ينبع من إرادة سياسية لتدشين النقلة الإعلامية الضرورية واللازمة، لتجسيد واقع التعددية، ونقل تفاعلات المجتمع، في كل تجلياتها ومستوياتها، بل اللافت للنظر هو أن التحديث السياسي والاقتصادي، يتم أو يتم الآن بسرعة وإيقاعات تفوق التحديث الإعلامي، فبإمكاننا أن نتحدث الآن عن التعددية والحداثة والديمقراطية، وثقافة الحوار والمصالحة مع الماضي والتسامح، والشفافية والتراضي، والتوافق والأخلاق والجرأة السياسية، أي كل ما له علاقة بالممارسة الديمقراطية، ونفس الشيء ينسحب على المجال الاقتصادي، إذ أصبحنا الآن أمام ثقافة جديدة بكل المقاييس، وأمام قيم لا عهد لنا بها من قبل، وفي مواجهة مقاربات وآليات في التحليل والتصور، تفوق وتتفوق علي معطياتنا الواقعية والملموسة، أما المشهد الإعلامي العمومي، بتلفزاته وإذاعاته، فإنه أبقي علي مناعة سميكة خشية، أن تخترقه رياح التغيير، رغم التعديلات القانونية والهيكلة الجديدة للمشهد السمعي البصري، ودفاتر التحملات التي صيغت، والشعارات التي رفعت، والتي يبدو ظاهرها منحازا للمهنية والموضوعية والكفاءة والجودة.
والملاحظ أن حالة من المد والجزر تهيمن علي التقاليد الإعلامية الرسمية في المغرب، وغيره من البلدان العربية، فأحيانا نجد مساحة لا يستهان بها من الجرأة، في تناول قضايا دقيقة ومصيرية ترتبط بهموم الأمة برمتها، وأحيانا تنتصب أمامنا موانع وحواجز، وتراجعات غير مفهومة، وكأن واقع الحال يقول إن الإعلام وخاصة التلفزيون، سلاح خطير، وأداة تحريض قد تدفع المتذمرين لمجرد وقوعهم تحت تأثير سلطة الصورة، إلى الانفجار والهيجان.
ولنبقي في إطار الحديث عن التحديث، لنشير إلي أن اقتناء وجلب آليات وتجهيزات تكنولوجية جديدة، وتداول مصطلحات الإنترنت والأنظمة الرقمية، في البث والإنتاج والتوضيب، والطرق السيارة للإعلام أوالميلتي ميديا، هو بمثابة اندهاش أمام زمن تكنولوجي زاحف، وسريع التطور.
وهنا نتساءل بكل صراحة، هل بمقدور الأداة التكنولوجية، مهما بلغت ثوريتها وفعاليتها، أن تجعل من الوسيط الإعلامي، قوة ضاربة ووسيلة للتغيير والتحديث، بكل تأكيد الجواب هو لا، لأن المهم والأساسي هو أن تكون العقلية التي تتحكم تمويليا وإداريا وتدبيريا، مستعدة لتطليق العادات البائدة والعتيقة، في الممارسة الإعلامية، وأن تكون مدركة ومتمثلة، لحيوية وأهمية الرهانات المعقودة علي الإعلام، وفي المحل الأول التلفزيون، لأنه الوسيط الإعلامي الأقوى، والأسرع انتشارا وتغلغلا، في أوساط الجمهور، على اختلاف شرائحه وأذواقه ونزوعاته، ودون الربط بين الفعالية والإنتاجية البشرية، والفعالية والإنتاجية التكنولوجية، يتعذر علينا أن نقدم منتوجا إعلاميا عموميا جيدا، له القدرة علي الإقناع والصمود، في وجه المنافسة الدولية، أضف إلى هذا، لا يجب أن نخلط بين التدبير المالي والإداري، والتدبير الإعلامي، لأن المسافة القائمة بين الجانبين، ولو إجرائيا، تمنح لكل جانب استقلاليته النسبية، وهويته، وكيانيته في العمل والإبداع والإتيان بالجيد، الصالح للبقاء.
لنعد سنوات إلي الوراء، وتحديدا إلي المناظرة الوطنية الأولى للإعلام والاتصال، التي انعقدت عام 1993، في الرباط، فهذه المناظرة وما اكتنفها من طموحات وأحلام، وما طبعها من لغات وخطابات واعدة، شكلت وقتئذ بطارية لشحذ الهموم والعزائم، لدى عموم الإعلاميين والاتصاليين، وعقد الجميع أمالا عريضة علي توصياتها ولجانها، لكن مر حتى الآن أكثر من عقد على هذا الحدث، ولم تترجم توصيات وأحلام تلك المناظرة، إلى واقع ملموس، وكأن الأمر كان لا يعدو أن يكون مهرجانا لفرح إعلامي مؤقت وعابر.
اليوم، وقد حدثت أحداث وحصلت تحولات، وانبثقت في المشهد الوطني المغربي، معطيات وثقافات مغايرة، لم يعد من المنطقي في شيء أن يبقى الإعلام العمومي المغربي، بكل مكوناته، سجين النظرة الأمنية الضيقة، فلا الهاجس الأمني بمستطاعه أن يحصن المجتمع، ويؤمن الاستقرار، ولا المقاربة الجامدة أحيانا، بمقدورها أن تساهم في تطوير وإرساء قيم ديمقراطية، وسلوكات ثقافية وسياسية حداثية.
إن الإعلام العمومي المغربي، ومعه الإعلام العربي، مطالب بأن يتمرد على ذاته، أن يطلق نزعة الإخفاء والتستر، وأن ينظر إلي ما يدور في محيطه الوطني الإقليمي والدولي، فالكاميرا تفضح ذاك الذي تريده الأنظمة أن يظل مكتوما، ومتطلبات الجمهور تحتم على وسائل الإعلام نقل الحقيقة ورصد الواقع، وتسجيل الأحداث، كما تقع على الأرض، في إطار تأمين الحق في الوصول إلى الخبر، إضافة إلى هذا، الانقلاب الجذري في التقاليد الإعلامية الدولية، يدفعنا إلي إعادة الاعتبار للمضمون والشكل، والبحث عن طرق جديدة في التدبير والتسيير، بهدف حشد أسباب وشروط مجتمع الإعلام والمعرفة التقنية، وجعل الطريق سالكا أمام اقتصاد الإعلام، سيما في ظل ما أصبح يعرف بالعولمة، والقرية الإعلامية الكونية.
وإذا استحضرنا في هذا السياق خصوصيات المجتمع العربي، وما يميزه من فوارق ومسافات في الدخل والمعرفة، وفرص تحسين الوضع الاجتماعي، فإننا لا يمكن إلا أن نضاعف من التفكير والتأمل، في كيفية ترميم هذه اللوحة الاجتماعية، التي تتقاطع فوق مساحتها ألوان الفقر والأمية، والتيه واليأس، وعدم الانتماء، وفقدان الثقة، وإذا ما تظافرت الجهود وتركزت علي صياغة استراتيجية لتحقيق التحول الإعلامي، على غرار التحول الديمقراطي المنشود، لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين، وهذا الاستعداد يتطلب أن تنخرط وسائل الإعلام العمومية، والتلفزيون بشكل رئيسي، في الحياة اليومية بكل تفاصيلها، وأن يتفاعل مع مجمل المظاهر، التي تشكل الجوهر المجتمعي.
ولكي يتحقق هذا المطلب، لابد من إفساح المجال أمام الحرية في الإبداع والتعبير، وإعداد البرامج الوثائقية، لتدوين الذاكرة العربية، سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، ولابد من الانكباب على تحليل وتفسير الحدث العربي، بكل موضوعية ومهنية، من خلال برامج حوارية، ولابد كذلك من تفعيل مبدأ التعددية، لكي لا تظل شعارا للاستهلاك المجاني.
الملاحظة الأخرى التي نريد تسجيلها في هذا السياق، هي أن المواطن المغربي يعيش الآن علي إيقاع فترة سياسية جديدة، من شأنها أن تطلق إشارات ومبادرات، لتحسين الأداء الإعلامي، وتحديثه وفق ما يستلزمه الواقع المحلي والدولي، ولا يعقل أن نتباهى بالحديث عن فضائيات مغربيات، فيما أن ما تقدمه من إنتاجات، لا صلة له بعمل وأداء الفضائيات، بالمفهوم المهني والاحترافي للكلمة، وهذه الملاحظة ليست تحاملا على هذه الفضائيات، وإنما رغبة في تطوير عملها وتأهيلها لخوض المنافسة، وإقناع المشاهد المغربي في الخارج، والمشاهد العربي، بالتعاطي معها، وعدم الإحساس بالضجر أثناء مشاهدة برامجها.
تأسيسا علي كل ما سبق، ينبغي أن نقيم تواصلا حقيقيا مع الرأي العام الوطني في العالم العربي، وأن نرسم له آفاقا واعدة بالعطاء والجودة والموضوعية، وأن لا يبقي الحديث عن الثورة التكنولوجية والحداثة الإعلامية، وتوابعها، مجرد انتشاء ذاتي، وخطاب يعرض في المناظرات والصالونات، بل لابد من أن تهيئ المجتمعات لتكون هي التي تتقن التحكم في هذه التكنولوجيا، وهي التي تستفيد منها، ولا فائدة من تداول هذه المصطلحات في وضعية اجتماعية تخترقها نسبة أمية لغوية، تصل في بلدان عربية عديدة، إلى أكثر من 60 في المائة، فلا مناص من إعطاء اللغة العربية والأمازيغية، في بلدان المغرب العربي، ما تستحقه من أهمية وأولوية، عوض تسطيحها وتهميشها، مثل ما يحدث في البرامج الاقتصادية في تلفزاتنا، وكأن هذه اللغات عقيمة وقاصرة.
فلا أحد يوجد خارج الإعلام، ولا أحد يوجد علي مسافة منه، فالكل يشكل طرفا فيه، لأنه ليس أداة حيادية غريبة على الذات الفردية والجماعية، إن الإعلام يخلط بكيفية خطيرة بين القيم والمصالح، والمثل والإيديولوجيات، ولا شيء يضمن، خصوصا في لحظة الانتصار التقني والاقتصادي، أن مثل إعلام الأمس، ستندرج في منظومة إعلام الغد. لأن الإعلام هو في الأصل تجربة أنتروبولوجية أساسية، فأن تتصل، يعني أن تقيم علاقة تبادلية مع الآخر، فليست هناك حياة فردية أو جماعية بدون اتصال، إن الإعلام يتقاطع مع السياسة بسبب العامل الديمقراطي، الذي يعترف بالمساواة بين جميع الناس.
ومن هذا المنطلق، واستنادا إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، الضامنين للحق في التعبير والإعلام، وبالنظر أيضا للوعود التي أطلقتها السلطات الرسمية المغربية، في أكثر من مناسبة، والقاضية بإصلاح الإعلام العمومي، وتكريسا لحق المواطن في أن يتمتع بإعلام عمومي شفاف ومتفتح، فإن الهيئات النقابية المهني، بما في ذلك، النقابة الوطنية للصحافة المغربية، وعدد من تنظيمات المجتمع المدني، من كتاب وحقوقيين، وفعاليات نسائية وجمعوية، سبق لها أن بادرت إلي صياغة مشروع مذكرة حول دمقرطة وسائل الإعلام العمومية، إيمانا منها بهذه الضرورة كمطلب لا محيد عنه، لتقدم المغرب، نحو نظام ديمقراطي حقيقي، والعمل على تمكينه من وسائل إعلام جماهيرية، تتمتع باستقلاليتها المهنية، وانفتاحها على كل الآراء، وقدرتها على تطوير الطاقات والإبداعات الوطنية، والاندماج في الثورة التكنولوجية.
وسجلت هذه الفعاليات مواقف واضحة وصريحة، إزاء استمرار احتكار الإعلام العمومي من قبل الدولة، حيث تتحكم بصورة مطلقة في شتي مرافقه، ومؤسساته، ولا تسمح بأي مشاركة ديمقراطية في تسييره، ولاحظت كذلك، سيادة توجيه فوقي ذي طابع سلطوي رسمي، متخلف يطغي عليه طابع الجمود وانعدام المبادرات المهنية، ولا يسمح بالانفتاح، إلا بقدر مخدوم ومدروس وموجه.
إن المطالبة بالتخلص من إعلام السلطة لتأسيس سلطة الإعلام، في المجال العمومي، رهين بتوفير محددات أساسية، تبدأ من اقتناع الدولة، كممول وكمحتكر للإعلام العمومي، بالوظائف والأدوار الحيوية التي يمكن أن ينهض بها هذا الاعلام، والمتمثلة في إشباع الحاجيات الجماعية، وعرض كل القضايا، سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية، دونما إيلاء أهمية مبالغ فيها لهاجس الربح والمردودية المالية، أو الوقوع في مخالب الهاجس الأمني، كما أن رسالة الإعلام العمومي، لا يمكن أن تتحقق وتتجسد دون إشاعة ثقافة وقيم المرفق العام، الذي يرتبط بترسيخ المضامين الجادة والجيدة، وتعزيز مفهوم القرب الإعلامي، من خلال التقاط نبضات المجتمع، ومساءلة مشاكله وانشغالاته الكبرى، بمنأى عن الديماغوجية، وغسل الأدمغة، وصناعة الخضوع والإذعان، الشيء الذي يؤدي إلى غياب التأثير في المتلقي، وفتح الباب على مصراعيه
أمام انبثاق أزمة ثقة من خلال زرع عوامل الشك، حتى في الرسائل التي من المفترض لها أن تتوفر على الحد الأدنى من المصداقية، وإذا حظرت هذه المواصفات فإننا سنجد أنفسنا أمام تبادل غير متكافئ بين المواطن المتلقي، وبين مؤسسات الإعلام الرسمي، بصيغة تغدو معها عملية الاتصال، وكأنها تندفع في اتجاه واحد.
وإذا كانت الرؤية الرسمية للتلفزة العمومية، تتأسس علي ما يمكن أن يلعبه هذا الوسيط، من دور في تثبيت الوحدة الوطنية، وركائز الدولة، وفق منظور لم يتحرر بعد من ترسبات سنوات الجمر والرصاص الإعلامي، فإن تلفزيوناتنا لم تفلح في الاقتراب من عتبة التلفزات الوطنية، على غرار ما هو عليه الحال، في القنوات العمومية القائمة على مبدأ المرفق العام، كما هو الشأن في فرنسا وبريطانيا.
ورغم ما عقد من آمال على حكومة التناوب السياسي في المغرب، التي قادها الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي، لإحداث نقلة نوعية ورجة قوية، في التشريعات والقوانين لعصرنة الإعلام العمومي، وتحريره من عقلية التشكيك والرقابة والخوف، ورغم ما بذلته الحكومة الحالية من جهود على المستوى التشريعي والهيكلي، فإن الواقع أنتج وضعية محبطة لكل الكفاءات والفعاليات، التي كانت تتطلع إلى مثل هذه النقلة، لأن النظام السياسي المغربي بمختلف مكوناته، لم يتمكن حتى الآن من التخلص من العقلية التقليدية التي ينظر بها إلي الصحافة والإعلام، كمجرد بوق يردد صدي لما يبتغيه ولما يخططه له، خاصة في مؤسسات الإعلام العمومي، وفي مقدمتها التلفزيون.
فإذا كان الطفل هو الذي يقبل بالإيحاء، أكثر من الشخص الراشد، فهناك مؤسسات تسعي دوما إلى أن تبقينا أطفالا، لنخضع لإيحاءات السلطة ونزواتها.
والملاحظ أن هناك مراهنة قوية على أن القانون المتعلق بإعادة هيكلة المجال السمعي البصري في المغرب، الذي صادقت عليه السلطات المغربية، سيشكل لبنة قوية ووسيلة إيجابية، لتعميق المسار الديمقراطي في البلاد، وتكريس دور وسائل الإعلام في البناء الديمقراطي، كما أن رفع احتكار الدولة عن الإعلام، وإفساح المجال أمام المبادرة الخاصة، من خلال منح 10 تراخيص إنشاء إذاعات جديدة خاصة، وفضائية تلفزيونية وحيدة، يعتبر لدى الكثيرين، نقلة نوعية ،وتحولا إيجابيا، في المشهد الإعلامي المغربي، ما يعني فتح الباب في وجه المنافسة، والاحتكام إلى معيار الجودة والكفاءة وآليات السوق.
ولكن هل يكفي إصدار قانون، وإنشاء هيئة عليا للاتصال السمعي ـ البصري، لخلق ممارسة إعلامية ذات صدقية، تتماشى مع ما ينتظره المجتمع المغربي، الذي يعيش في قلب العولمة الإعلامية، وله من الاختيارات ما يمكنه من عقد مقارنة بين الجيد والرديء.
المسألة التي يجب أن نستنتجها، هي أن الإعلام كيف ما كانت طبيعة المجتمع الذي يشتغل فيه، هو سلطة أو وسيلة من وسائل الاحتواء، وأداة للتعبئة والتحكم والضبط، إذن لا غرابة إذا لاحظنا











