jeudi 7 septembre 2006
تقرير إخباري ..........الأحزاب المغربية تحذر من خطة بيكر لإقامة دولة انفصالية في الأقاليم الجنوبية
الرباط عبدالصمد بن شريف
نددت الاحزاب المغربية الأساسية المشاركة في الحكومة بخطة جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي السابق ومبعوث الأمم المتحدة بشأن ازمة الصحراء الغربية، وحذرت من مساعيه لجعل المغرب يرعى دولة انفصالية في اقاليمه الجنوبية.
ففي الندوة التي نظمتها مؤسسة “عبدالرحيم بوعبيد للعلوم والثقافة” أمس الأول حول آخر التطورات في ملف الصحراء، وشاركت فيها ثلاثة أحزاب مشاركة في الحكومة وهي “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و”الاستقلال” و”التقدم والاشتراكية”، قال محمد اليازجي الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: إن مخطط جيمس بيكر يفرض على المغرب أن تقوم بما لم تستطع أن تقوم به حتى الجزائر، بمعنى تكفل المغرب بإنشاء جمهورية في اقاليمه الجنوبية ويرعاها مدة خمس سنوات في الصحراء ويضمن أمنها حتى تثبت دعائمها ويتم بعد ذلك اجراء الاستفتاء الذي لن يؤدي في هذه الحالة إلا إلى الانفصال، وأضاف اليازجي أن الصحراويين الذين غادروا المغرب في اتجاه تندوف سنة 1975 لا يشكلون الآن سوى قلة، إذ ان اغلب الموجودين في مخيمات “البوليساريو” ولدوا وتربوا فوق التراب الجزائري، والجيل الجديد من الانفصاليين يعد مغربياً وغير مسؤول عن تربيته، وأكد اليازجي أن وضع ملف الصحراء غير مريح بسبب وجود انقسامات بين دول مجلس الأمن التي تصرف عليه أموالا باهظة ورغبة دول أخرى في طي هذا الملف ولو على حساب المغرب، وأضاف أن المعطيات الديموجرافية تغيرت بالصحراء، إذ ولدت نخبة جديدة عوضت النخبة التقليدية التي كانت لها ركائز عشائرية، خاصة أن 95 في المائة من سكان الصحراء يقطنون حاليا في المدن. وذكر اليازجي أن قضية الصحراء المغربية ظلت تصطدم بما وصفه بالموقف المتحجر للجزائر التي لم تعد تشكل نفس القوة التي كانت عليها في فترة الحرب الباردة.
وأشار اليازجي إلى وجود متغير آخر في المعطى الديبلوماسي يتمثل في سحب 70 دولة اعترافها بالجمهورية الصحراوية، وشدد اليازجي في مداخلته السياسية، بمناسبة احياء ذكرى رحيل زعيم المعارضة اليسارية المغربية عبدالرحيم بوعبيد، على ضرورة التفكير في مد الجسور مع المغاربة المحتجزين في مخيمات تندوف، وأيضاً أولئك المحسوبين على الحركة الانفصالية أوالموجودين في المهجر، وخلص اليازجي إلى القول: “إن خيار المغرب الديمقراطي هو المدخل الأساسي لأي حل لقضية الصحراء، معتبراً في الوقت نفسه أنه يتعين اعطاء مدلول حقيقي لمفهوم الجهة، إذ ان المغرب خطا خطوة مهمة بتنصيص دستور سنة 1996 على مسألة الجهوية، مما يوفر له الإطار السياسي والقانوني للجهوية، لكن يجب إعادة النظر في أدوار وصلاحيات حكام المحافظات وتحويل الجهة إلى كيان حقيقي”.
أما عباس الفاسي الأمين العام لحزب “الاستقلال” فقال إن ملف الصحراء الغربية انتهى على المستوى الداخلي، لكنه ما زال يبحث عن حل على الصعيد الدولي، وأرجع ذلك إلى اختيار المغرب منذ البداية تحرير أراضيه تدريجياً انطلاقاً من مفاوضات “ايكس ليبان” التي لم يتم التفاوض فيها حول الوحدة الترابية للمغرب بأكمله، في الوقت الذي اخذت فيه الجزائر العبرة من الحالة المغربية. وأشار الفاسي إلى أن المقاربة الأمنية في تدبير الملف تغلبت على إشراك مواطني المحافظات الصحراوية في التنمية، وأضاف ان اشتغال الأمم المتحدة على هذا الملف تميز بالارتباك منذ طرحها لخطة الاستفتاء سنة 1991. وانتقد بشدة خطة جيمس بيكر المعدلة قائلاً “بدلاً من ان تبحث تلك الخطة عن حل سياسي عادل يضمن الاستقرار في المنطقة، فقد عمدت إلى ممارسة الضغوط على المغرب ليذعن إلى استراتيجية التمزيق والبلقنة وهذا ما تفهمه الاعضاء الدائمون في مجلس الأمن مثل الصين، وروسيا، والولايات المتحدة، وفرنسا، وأعرب الفاسي عن أسفه للوضع الذي آلت إليه العلاقات الثنائية بين المغرب والجزائر بسبب انعدام المبادلات الاقتصادية والتجارية وحمل السلطات الجزائرية مسؤولية تجميد اتحاد المغرب العربي معللاً ذلك بتفرغها إلى التمسك بمبدأ تقرير مصير الصحراويين وتمويل المجهود الحربي والهدف من كل هذا معاكسة الوحدة الترابية للمغرب، واعتبر الفاسي أن عدم حضور العاهل المغربي الملك محمد السادس، والزعيم الليبي معمر القذافي، والرئيس الموريتاني معاوية ولد أحمد الطايع اعمال القمة المغاربية المؤجلة التي كان من المفروض ان تحتضنها الجزائر هي رسالة عتاب صريحة للسياسة الجزائرية”.
وزير الاتصال المغربي نبيل بن عبدالله: تحقيق الديمقراطية شرط لبناء المغرب العربي
الخليج - عبدالصمد بن شريف
أكد نبيل بن عبدالله وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية أن بناء الاتحاد المغاربي يتطلب اشاعة الديمقراطية في دوله واحترام مطلق للسيادة الوطنية، وهو مشروع استراتيجي لمصلحة شعوب المنطقة، وذلك في الحوار التالي:
هل سيتحقق بناء المغرب العربي ذات يوم؟
- الجواب لا يمكن أن يكون إلا بالإيجاب، لأن الأمر يتعلق بطموح تاريخي عميق ومشروع للشعوب المغاربية، وضرورة ملحة تمليها معطيات الوضع الجهوي والدولي الذي تتزايد فيه التكتلات الاقتصادية والسياسية، ومن هنا فإن بناء الوحدة المغاربية هو الجواب الأمثل على ما يواجهنا من تحديات مرتبطة بالتعامل الاقتصادي والسياسي والثقافي مع اوروبا وباقي التكتلات والأقطاب الدولية الأخرى.
بالنسبة للمغرب، فإن بناء اتحاد المغرب العربي اعتبر دوما ضرورة سواء في عهد الملك الراحل محمد الخامس الذي ركز على ضرورة تحرر كل دول المغرب العربي إبان فترة مكافحة الاستعمار، أو على امتداد فترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني، أو في المواقف والمبادرات التي دأب على اتخاذها الملك محمد السادس منذ توليه حكم المغرب، ناهيك على أن موضوع الوحدة المغاربية يعد أولوية أساسية في البرامج السياسية لكل القوى الحية المغربية.
ما هي العقبات التي تعترض بناء هذا التكتل؟
- لا يتسع المجال للتفصيل في طبيعة العقبات ونشأتها وتطورها، ولكن يمكن التأكيد على أن بناء المغرب العربي يتطلب إشاعة الديمقراطية في مختلف الدول المغاربية والقيام بالإصلاحات الهيكلية المطلوبة في مختلف المجالات، وإنضاج شروط بناء الاتحاد على قاعدة صلبة تستند لإدارة وطموح الجماهير المغاربية وجعل الوحدة وسيلة للاستجابة للمطالب المشروعة في العيش الكريم والعدالة الاجتماعية والحرية.
ومن البديهي أن تشييد الاتحاد المغاربي يتطلب في المقام الأول احترام مطلقاً للسيادة الوطنية والوحدة الترابية لكل الدول الأعضاء، لأنه بمثل هذه المنطلقات نجحت تحالفات اقتصادية وسياسية رائدة، كما هو شأن “الاتحاد الاوروبي”، فلا يمكن للمرء أن يتصور أن تقوم ألمانيا بمنازعة فرنسا على منطقة الألزاس واللورين مثلا، وهذا درس أساسي ينبغي استخلاصه.
ما هو تقييمكم للتوجهات الحالية لعدد من الحكومات والتي تغلب منطق المصلحة القطرية على التفكير في الاصطفاف في تكتل اقتصادي؟
- إن رفع تحديات العولمة وكسب رهانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وصيانة الهوية المغاربية والاندماج في المنظومة الدولية الجديدة، يتطلب نبذ هذه النظرة الضيقة وتجسيد مطلب الشعوب المغاربية في العيش في فضاء مغاربي ديمقراطي قوي ومتقدم. وهذا هو صمام الأمان لشعوب المنطقة في عهد العولمة والانفتاح شبه التام للاقتصادات العالمية، حيث لا مستقبل للبلدان الصغيرة ولا مجال لتطورها واحتلالها مواقع تمكنها من الإسهام في التحولات الكونية وصياغة القرار الدولي.
هل هناك ما يؤشر على إمكانية تجاوز الوضع الحالي والتوجه نحو المستقبل بعقلية براغماتية تنتصر للمصالح الاستراتيجية؟
- بناء الاتحاد المغاربي، يعد مشروعا استراتيجيا ينتصر في المقام الأول لمصلحة شعوب ودول المنطقة، وهو يتطلب كما جاء في سؤالكم، إعمال مقاربة براغماتية تستحضر الحاضر وتحديات المستقبل، ولا يمكن إلا أن نؤكد على الاستعداد المطلق للمغرب في هذا الشأن.
فالبعد المغاربي ظل حاضرا لدى الفاعلين الأساسيين في بلادنا على مر التاريخ، والوحدة المغاربية شكلت معطى وأولوية أساسيين في الخلفية التي انطلقت منها الحركة الوطنية في مرحلة النضال ضد الاستعمار بقيادة الملك محمد الخامس، وفور ما اجتمعت الشروط اللازمة لإطلاق هذا المشروع الوحدوي انعقدت القمة التأسيسية بمراكش، أضف إلى ذلك أن النظرة الاستشرافية بخصوص بلادنا، تستحضر العمق المغاربي كتكتل اقتصادي وسياسي قوي، قادر على احتضان وتطوير هذا المشروع، ليتحول من استثناء مغربي إلى واقع مغاربي.
الثقافة العربية في عيون عدد من رجالاتها
ابوظبي - القاهرة - بيروت - عمان - الرباط - “الخليج
تناولت الحلقة الاولى الموقف من الثقافة العربية راهنا واسباب تذبذب فعاليتها وانحسار قدرتها على التحاور مع الآخر، وقد شارك في تحليل ذلك مثقفون عرب بارزون
خطاب الاعلام العولمي
ويوجه الكاتب والباحث في ميدان الاعلام والاتصال مصطفى المسناوي النقد الى التصور التقليدي للثقافة واهمال وسائط الاتصال الجماهيري فيقول حين تحدث الفرنسيون قبل بضع سنوات عما سموه “الاستثناء الثقافي” كانوا يشيرون إلى خطورة مد العولمة الكاسح، داخل العالم الغربي ذاته وليس خارجه فحسب. ذلك أن السعي إلى توحيد العالم اقتصاديا تحت ظل قوة واحدة مهيمنة، هي الولايات المتحدة الأمريكية، يصاحبه ميل إلى إلغاء الخصوصيات الثقافية وفرض ثقافة واحدة على الصعيد العالمي، هي الثقافة الأمريكية لا يتعلق الأمر بثقافة المثقفين، التي يتم تداولها بشكل محدود اعتمادا على الوسائط المكتوبة، وإنما يهم ثقافة المجتمع بصفة عامة، والتي تتمثل في المسلكيات وطرق التعامل مع المحيط، مثلما تتمثل في ما يمكن أن نطلق عليه “رؤية العالم”. وبالتالي فإن “الاختراق الثقافي” لا يتم على مستوى المضامين بقدر ما يتم على مستوى الأشكال الثقافية.
إن الاختراق الذي كنا ننتظره قادما من الكتب، والمطبوعات عامة، ومضامينها، جاءنا هذه المرة عن طريق الإذاعة والتلفزيون. فكسدت سوق الكتاب، ووجد المواطن العربي الذي لم يخرج بعد من عصر الثقافة الشفوية نفسه منتقلا بقوة وعنف إلى عصر الثقافة السمعية البصرية دون أن يمر مرورا كافيا بعصر الثقافة المكتوبة، وما يرتبط بها من تأسيس للحداثة والعقلانية ودولة المؤسسات.
ليس ضروريا، والحالة هذه، أن تكون الفضائيات التلفزيونية محملة بمضمون معين يحمل قيم هذه الثقافة الغربية أو تلك؛ فحضور الفضائيات بكثافتها هذه في سمائنا العربية هو نفسه المضمون. أي أن الشكل هنا، وكما يقول الباحثون في المجال السمعي البصري، هو المضمون.
فالمواطن العربي يجد نفسه محاصرا بقرابة مائة فضائية عربية، أو تحمل الجنسية العربية، آناء الليل وأطراف النهار؛ الشيء الذي نجم عنه، أولا، تحويل مشاهدة التلفزيون إلى نشاط رئيسي في حياة المواطن العربي، أكثر من السياسة والدراسة والعمل مثلا؛ وثانيا، تحويل هذا المواطن إلى مجرد مستقبل سلبي لا يعمل فكره ولا يعبر عن إرادته كما نجم عنه، ثالثا، أن هذا المواطن صار يعتبر جهاز التلفزيون بديلا لكل الأنشطة الثقافية والفكرية والإبداعية الأخرى، مثل السينما والمسرح والموسيقا، ولم يعد يشعر بحاجة إلى الخروج من بيته لمتابعتها في قاعات العرض الخاصة (وهي فرصة للقاء بالناس فوق ذلك) مكتفيا بمتابعة كل شيء في بيته.
وبعبارة أخرى فإن العرض التلفزيوني الحالي، الذي يتجاوز الطلب بكثير، نجح، في المرحلة التي نعيشها حاليا، في تحويل المواطن العربي إلى كائن سلبي، يتقبل كل ما يعرض عليه من قيم وأفكار دون نقد ولا تمحيص. وشيئا فشيئا يتم إضعاف آليات دفاعه القيمية والثقافية لإحلال قيم أخرى “جديدة” بدل قيمه التي صرنا نسمع هنا وهناك، في منابر صحافية غربية بالخصوص، انها عتيقة متجاوزة.
لننظر، مثلا، إلى هذا التناسل الغريب للفضائيات الموسيقية العربية، لنتأمل في الوصلات الموسيقية (الغربية والعربية) التي تقدمها ولنطرح السؤال حول نوعية القيم التي تقوم بتمريرها إلى المشاهد، والتي يستبطنها، بوعي منه أو بدونه، في استرخاء وتقبل شاملين.
ولعل من المثير للانتباه بهذا الصدد، أن الذين يعلنون رفضهم لهذا الشكل من الاختراق سرعان ما يتحولون إلى مجرد “متطرفين” في أعين الناس، بل ويجدون أنفسهم محشورين في زاوية رد الفعل المتطرف؛ كأن ساحة الاختلاف ضاقت في وطننا العربي ولم يعد مسموحا وجود الرأي والرأي الآخر وتعايشهما معا في سلام (لنلاحظ أن بعض البرامج التلفزيونية تكرس فكرة أن الاختلاف في الآراء سلبي ومدمر يؤدي إلى العدمية: برنامج “الاتجاه المعاكس” على قناة “الجزيرة” كمثال).
خلاصة القول إذن أن التفكير في قضايا الهوية والخصوصية الثقافية وضرورة الحفاظ على الذات في مواجهة اكتساح أو اكتساحات العولمة لا يمكنه أن يستقيم ويكون ذا فعالية إلا إذا خرجنا من نطاق التصور التقليدي للثقافة واهتممنا بوسائط التواصل الجماهيري وعلى رأسها التلفزيون من أجل إعادة بناء التصور الذي نريده لهويتنا العربية، لثقافتنا العربية وللمواطن العربي في نهاية المطاف.
الثقافة “اللينة الجديدة”
ويرى الروائي والمفكر المغربي بنسالم حميش ان هناك الكثير من المعطيات السلبية، التي يجب اخذها في اعتبار الحس النقدي فيقول: اليوم وعلى الرغم من ظهور مثقفين عرب وهم قلة لهم حضور متميز، فإن تأثيرهم في مجريات الأمور سياسيا واجتماعيا ما زالت تعترضه صعوبات جمة ومثبطات، ذاتية وموضوعية، فئة المثقفين الذين يستجيبون بنحو أو آخر للتعاريف النموذجية للمثقف، على قلتهم، لا يوجدون في مأمن من تداعيات أزمة الثقافة عموما، التي هي بدورها تمظهر لتدهور العلاقة بين السياسي والثقافي، كما ان المجتمع الكلي مطبوع بقدر لا يستهان به من البداوة، أي بسوء تقدير للشأن الثقافي والتعامل معه، وبالتالي بضيق ملحوظ في أفق الرؤى والعقول، بحيث يوضع المثقفون ولو تألقوا بين اختيارين: إما التكيف وإما الركون إلى البيوت ومربعات الحياد والعزلة، وفي جو مأزوم كهذا، ليس الكلام عن “ثقافة وطنية” إلا استهلاكاً لكلمات مثل “الحضور الثقافي” أو “الفعاليات الثقافية”. ولا أدل على ذلك من معطيات سالبة ناخرة، لابد من وضعها في حسبان الوعي اليقظ والحس النقدي، ومنها على سبيل التمثيل فقط:
1 من أشد مفارقاتنا ألما ومضاضة أننا ثقافيا ننتج كتبا لا حجة ولا برهاناً يقومان على بلوغها دوائر الإشعاع النوعي والتأثير الفعلي. وكيف لها أن توجد بهذا المعنى والمؤشرات الإحصائية (طبعا وتوزيعا) تدل على أن سوق القراءة لما تزل موسومة بالكساد والضعف، للأسباب العويصة المعروفة، الراجعة إلى سوء أحوال التعليم وتفشي الأمية (بما فيها أمية أنصاف المتعلمين)، إضافة إلى عطالة ذوي الشهادات ، التي هي، فوق كل سلبياتها، طعن في الكرامة الفردية وإهانة فادحة في حق الرغبة التثقفية حاضرا ومستقبلا. وفي ظل هذه المعطيات السالبة، حتى الكتاب الذين يفلتون نسبيا من ذلك الغبن بفضل الشبكات الوسائطية الإعلامية أو بالمجيء من وراء البحر وعبر قنوات ضاغطة كاسحة، فإن التعامل مع إنتاجهم يبقى في الغالب الأعم كما لو أنه تعامل مع مجرد أسماء وعناوين أو “ماركات” مسجلة لا غير.
2 ليس هناك من نسيج ثقافي عربي مشرقي ومغاربي إلا ما نراه مصابا بالتفكك والوهن. وهذا المعطى الآخذ في الاستفحال منذ حرب الخليج الثانية يجعلنا اليوم نشاهد أن المثقفين المغاربة مثلا ما التقوا وقلما يلتقون حقا إلا وكانت مأساة اللاتواصل قائمة بينهم، مشخصة في مأساة التشرذم اللغوي واللهجي وتفشي نظام الولاءات والتبعات المستلب الضاغط. إن علو نسبة الأمية واختلالات التعليم هي مشاكل حقيقية، لكن معالجتها تدريجيا بتبني سياسات إصلاحات عقلانية حازمة تبقى في حكم الإمكان، أما ما يبدو أخطر من ذلك فإنه يحصل بالأحرى من جهة الوعي الوطني المهدد بظواهر العجز في المواطنة والحس المدني. فمن ذلك مثلا أن المأخوذين بأشكال “الهيموجينيا” الثقافية اللينة الجديدة، يذهبون إلى حد التفكير في أن “التعريب” مثلا، هو الوجه الآخر للأصولية الدينية، أو أن حماة العربية هم “إسلاميون” متخفون، هذا مع العلم أن من بين كبار علماء العربية والقيمين عليها منذ عصر “النهضة” هم من القوميين والعلمانيين وحتى المسيحيين ذوي الأصول العربية وغيرها... ومن جهة أخرى، في المغرب مثلا، إن ظاهرة اعتماد الفرنسية في قطاعات خاصة وعمومية كثيرة، وحتى في مؤسسات ذات صبغة ثقافية، تجعلنا مع لغة الضاد (ولا أقول العربية التي أمست تثير عند البعض حساسيات نفورية غريبة) نصطدم بوضع شاذ.
فالزمن السياسي المسيج بالمحظورات والمقدسات قد أضاف إلى أوتاره وتر الانتظارية، وركب خطابا لا يعرف مجراه ولا مؤداه حول التناوب التوافقي، وأكثر منه الانتقال الديمقراطي، وهو خطاب يخلق للسياسة طقوسا ومقولات يستعصي على الفكر الحر التمادي في تقلبها أو دعمها، اللهم إلا إذا قبل بالتنازل وتجرد عن وعيه النقدي والتاريخي، أو بالتقليل من تشغيله.
إننا إذن أمام محيط سوسيو سياسي لابد من التفكير الجدي في مستجدات عمقه وعلامات مستقبله المنظور. والحال أن هذا المحيط لما يعاني من تركة إخفاقات الماضي القريب وزلاته، وكذلك من غلبة الجهالات ومن تعقيم وسوء تدبير المفاهيم والممارسات المؤسسة لشروط الحداثة والديمقراطية والتقدم.
خروجا من الثنائيات
ويرى الباحث في العلوم السياسية توفيق بوعشرين ان هناك الكثير من الاشكاليات التي ترهق الواقع الثقافي الراهن، حيث تقف الثقافة العربية اليوم إن جاز الحديث عن ثقافة واحدة لأمة العرب في مفترق طرق بين القدرة على مواكبة التحولات الثقافية العالمية المدعومة بكم هائل من الإمكانات المادية ووسائل الإعلام ومراكز البحوث ومناخات الحرية المشجعة على الإبداع في الغرب. وبين الانحسار في زوايا الدراسات الانثروبولوجية، ثقافة أصبحت جزءا من تاريخ مضيء لأمة ما عادت تنتمي إلى عالم اليوم.
وسط هذا الخطر، ينقسم الطيف الفكري والثقافي الإفريقيين في الغالب، فريق يدافع عن الأصالة والهوية وضرورة تحصين ثقافة الأجداد، مرة بالاحتماء في قلاع الدين الحصينة، ومرة في تضاريس القومية العربية التي توفر الأمن العاطفي لأصحاب دعاوى حماية الهوية الثقافية العربية من الاكتساح، ومن الاندثار، بإعادة إحيائها، وتحصين وحدتها من كل دخيل.
أما الفريق الثاني الذي يقف على النقيض من الفريق الأول فهو يدعو إلى الانفتاح الكلي على ثقافة الغرب وإنتاجاته المعرفية إلى حد الاندماج وربما التحلل باعتبار أن ثقافة الغرب هي ثقافة الراهن الحضاري القادر على الاستجابة لحاجيات إنسان هذا العصر، بغض النظر عن خصوصيات كل إنسان وثقافة، أو حضارة أو هوية.
أصحاب هذا الاتجاه يدعون إلى القطيعة الكلية مع كل مصادر التراث العربي باعتبارها مصادر ميتة ومشحونة بالكثير من الإشكالات التي لم تحل بعد، إنها ثقافة ما قبل الحداثة.
في كلا الاتجاهين، مصادرة على المطلوب، وتجاوز الثقافة بمفهومها الأنثروبولوجي الشامل الذي يعتبر هذه الأخيرة هي نتاج تفاعل الإنسان مع الواقع والزمن، ومجمل التعبيرات الفكرية والعملية عن رغبات واحتياجات هذا الإنسان.
وفق هذا التعريف يتضح أن صياغة الهوية الثقافية لأمة من الأمم عملية معقدة ومربكة تتداخل فيها عوامل التاريخ والجغرافيا والواقع المعيش وحاجيات هذا الإنسان فوق أرض هذا الواقع. فلا المقاربة الأولى التي تحاول سجن الهوية الحضارية للعرب في بعد تاريخي واحد صالحة للإجابة عن أسئلة الإنسان العربي الراهن، و لا المقاربة الثانية الداعية إلى إلغاء التاريخ والانخراط الكلي في زمن الآخر تعي خصوصيات هذا الكائن العربي المطالبة بإلغاء ذاكرته .
هذا التوصيف البسيط لا يلغي الإشكالية، بل هو يعمل على إبرازها بجلاء أكثر، والدافع في اتجاه مصارحة الذات بكونها لا تمتلك جوابا تاريخيا عن إشكالية ما يسمى المعاصرة والأصالة، أو الثابت والمتحول أو الانغلاق والانفتاح، وما إليها من ثنائيات ما زالت ترهن التطور الثقافي العربي إلى الآن.
إن الهوية كيان معقد وليست كيانا متعددا وليس واحدا، كيان متحول، وليس جامدا بمعنى أن الهوية تشكل تاريخي مستمر لا يقف عند حد معين، ولا هو ذو مفهوم مجرد متعال عن التاريخ. ومن ثم فنقطة الانطلاق من إعادة فحص كل الأجوبة عن إشكالية الثقافة العربية اليوم تنطق من هذا الاعتراف بتاريخية مفهوم الهوية، واحتضان البعد الديني والثقافي والفكري والإثني والواقعي، ثم نتائج تفاعل هذه الهوية مع هويات أخرى تتعايش أو تتصادم مع هوية العرب اليوم.
تقرير إخباري ...عدم انعقاد القمة المغاربية خير من انعقادها
الرباط - عبدالصمد بن شريف
بعد إعلان وزير الخارجية الجزائري عبدالعزيز بلخادم تأجيل انعقاد قمة دول اتحاد المغرب العربي الخمس قال رئيس الدبلوماسية المغربية محمد بن عيسى من العاصمة الجزائرية إن “عدم انعقاد القمة خير من انعقادها”. وكان ابن عيسى أكد خلال اجتماع وزراء خارجية بلدان الاتحاد لتحضير القمة الرئاسية، على ضرورة صيانة المكتسبات الوطنية والمحافظة على الوحدة الترابية لكل بلد عضو في اتحاد المغرب العربي، في إشارة إلى ملف الصحراء،
وقال خلال الاجتماع إنه “بقدر حرصنا على ضرورة الدفع بهذا المشروع إلى مستويات أفضل باعتباره خيارا استراتيجيا لا مفر منه، فإننا نؤكد أن استمرار حيوية ونجاعة العمل الاتحادي يبقى رهينا بضرورة الالتزام بالتعاون الصادق في مناخ من الثقة والاحترام المتبادلين، وترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي، لارتباطهما العضوي بعملية البناء المغاربي.
وأضاف المسؤول المغربي خلال الجلسة أنه لا بديل عن “فضيلة” الحوار لتجاوز القضايا المصطنعة الموروثة عن الماضي، ولا بديل عن بناء اتحاد المغرب العربي دون إرادة سياسية واضحة وقوية ومنسجمة لتحقيق التكامل والاندماج الاقتصادي والتوظيف الأمثل لإمكانيات البلدان المغاربية.
كما شدد ابن عيسى على أهمية وضرورة توظيف هذه الإرادة السياسية “بشجاعة وتبصر في التغلب على خلافاتنا وتذليل الصعاب التي تقف في وجه تفعيل الاتحاد المغاربي”.
فاتحاد المغرب العربي يواجهه العديد من العقبات التي تجسدها الخلافات الثنائية بين البلدان الأعضاء، كما هو الحال بين المغرب والجزائر، وبين موريتانيا وليبيا. فقبيل توجه العاهل المغربي محمد السادس إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الدورة ال 57 للجمعية العامة للأمم المتحدة، راج الحديث عن وساطة فرنسية بينه وبين الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في شأن الصحراء الغربية لإذابة جليد العلاقات الثنائية، وتقريب وجهات النظر بين قائدي البلدين.
وعلى هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، التقى الملك محمد السادس بالرئيس الجزائري، وصرح بن عيسى، عقب ذلك اللقاء، بأن المغرب يتعاون مع كل الذين يساهمون في الحفاظ على حقوق ومكتسبات المغرب.
قال عبد العزيز بلخادم وزير الخارجية الجزائري: “إننا نعمل على تبادل الآراء وطبعا المملكة المغربية على لسان الملك أكدت موقفها المعروف تجاه قضية الصحراء، والرئيس بوتفليقة أكد حق الصحراويين في تقرير المصير”.
وهو اللقاء الذي قال عنه المراقبون وقتها بأنه طال انتظاره، وله “فعل نفسي بالدرجة الأولى”. أما الدبلوماسيون فقد اعتبروا أن لقاء الملك محمد السادس وبوتفليقة، بإمكانه أن يفتح الطريق أمام حل للخلافات القائمة بين الدولتين الجارتين، خصوصا الجانب الجزائري المتشبث بما يسميه “حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير”، وهو الأمر الذي ترفضه الرباط.
وكاد نفس السيناريو أن يتكرر في قمة (5 + 5)، التي استضافتها مؤخرا العاصمة التونسية، حيث كان من المنتظر أن يجتمع الملك المغربي والرئيس بوتفليقة في لقاء مباشر، إلا أنه يبدو أن الشروط لم تنضج لتحقيق هذا المبتغى.
وقبيل انعقاد القمة المغاربية في الجزائر، كشف الرئيس الجزائري عن رفضه مبادرة فرنسية جديدة تهدف إحداث تقارب مع المغرب وقال بوتفليقة: “الجزائر والمغرب يتكلمان العربية وبالتالي يمكنهما التفاهم جيدا”. ومن جانبه، كان العاهل المغربي قد استقبل خلال الأسبوع الماضي رئيس دبلوماسية الجزائر بلخادم الذي سلمه دعوة من بوتفليقة لحضور قمة الاتحاد. وصرح وقتها بلخادم بأن العلاقات المغربية الجزائرية بخير وانه من الأفضل أن تبني دول المغرب العربي إطارها قبل أن يملى عليها.
إلى جانب الخلاف المغربي الجزائري، هناك الخلافات الموريتانية الليبية. فنواكشوط التي شهدت قبل بضعة شهور انقلابا فاشلا، تحدثت الأخبار عن اتهام ليبيا بالضلوع فيه، تعكف على ترتيب بيتها الداخلي خاصة وأن موريتانيا أنهت انتخابات رئاسية ساخنة مؤخرا، أعادت تتويج ولد الطايع رئيساً.
بدورها مازالت ليبيا تجر مخلفات الحصار الذي فرض عليها اثر اتهامها بالوقوف وراء تفجير طائرة “لوكربي”، وتستحضر في الوقت نفسه مواقف بلدان المغرب العربي من الأزمة، والتي لم تكن وفية للبنود التي أسس بموجبها اتحاد المغرب العربي.
ومنذ إنشائه في مراكش عام ،1989 في اجتماع تاريخي ضم قيادات البلدان المغربية الخمس في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، واجه الاتحاد في مساره العديد من العراقيل لعل أهمها قضية الصحراء التي تتسبب دائما في توتر العلاقات بين الجارتين الرباط والجزائر.
تحليل إخباري .......... “هيئة الإنصاف والمصالحة”.. خطوة مغربية متطورة لمعالجة انتهاكات الماضي
الرباط عبدالصمد بن شريف
وافق الملك محمد السادس على التشكيلة النهائية ل “هيئة الإنصاف والمصالحة” التي تعتبر احدى الخطوات المهمة التي قطعها المغرب على درب طي صفحة انتهاكات حقوق الإنسان خلال مرحلة ما عرف ب “سنوات الجمر والرصاص”، ويترأس الهيئة الجديدة ادريس بنزكري الأمين العام الحالي للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان والعضو المؤسس ل “منتدى الحقيقة والإنصاف” الذي أسسه المعتقلون السياسيون المغاربة السابقون.
وتتكون “هيئة الإنصاف والمصالحة”، بالتساوي مع ثمانية أعضاء من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وثماني شخصيات من خارج المجلس، تنتمي إلى اتجاهات سياسية وحقوقية وعلمية مختلفة.
وأوضح محمد البردوزي عضو الهيئة الجديدة استاذ العلوم السياسية في جامعة محمد الخامس بالرباط ل “الخليج” ان الأهم في هذا الاجراء هو رد الاعتبار المعنوي، الذي يتمثل في حل مشكلة المفقودين، وهي خطوة لمصلحة العائلات التي عانت من هذه الانتهاكات الجسيمة. واعتبر البردوزي ان لهذه الخطوة دلالة رمزية بالنسبة لتقدم الديمقراطية في المغرب، “فدلالة إنشاء هذه المؤسسة التي هيأت شروط عملها بشكل عقلاني تتمثل في ترسيخ فكرة ان الانتهاك الجسيم يجب ان يلغى من الممارسة السياسية المغربية، وهذا يتكامل مع خطوات سابقة مثل التناوب السياسي، وإصلاح قانون الأسرة”.
وأشار إلى ان ذلك يأتي في إطار منظومة الانتقال إلى نظام سياسي متطور. وأكد البردوزي ان إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة لا يعني “أننا انتهينا”، لكن ما حدث مهم باتجاه إرساء دعائم دولة القانون والحقوق بالمعنى الحديث والمتطور، والمغرب بإقدامه على هذه الخطوة ما كان مجبراً، لأن البلاد لم تعش ديكتاتورية أو انقلابات عسكرية، أو حرباً أهلية كما شهد كثير من البلدان التي انشأت لجاناً من هذا النوع. إلا ان البردوزي يعترف بوجود انتهاكات في فترات معينة، ويضيف ان ملفاتها معروفة من طرف العائلات والمنظمات الحقوقية والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.
ودعا عضو “هيئة الإنصاف والمصالحة” إلى عدم تضخيم القضية، “بل يجب وضع المسألة في سياق رغبة المغرب في أن يزيل نقطة سوداء من تاريخه الحديث بشكل حضاري وممنهج، وفي إطار من الحوار والتعامل الايجابي مع المستقبل، من دون الدخول في متاهات لا حصر لها”.
غير ان انشاء “هيئة الإنصاف والمصالحة” سبقه جدال حاد بين مختلف القطاعات الحقوقية المغربية، فقد تطلب لقاءات ماراثونية شهدت مخاضاً عسيراً بسبب المواقف الرافضة أو المساندة أو المتحفظة، التي تولدت عن نقطة أساسية متعلقة بمسألة المحاسبة الفردية للأشخاص كإنصاف للضحايا، وما يمكن ان تتسبب فيه من فتن ومشكلات. وكان الطرف المتخوف من الزعزعة السياسية والإنشقاقات والمتاهات المجهولة للمحاسبة يرفض مشروع تأسيس الهيئة بدعوى أنها ستجلب “الفتنة والضغينة والإنشقاق” بين كل المغاربة على خلفية الانتقام.
بينما ذهب المؤيدون للوثيقة إلى المطالبة، بمحاكمة “من ناضلوا” إلى جانب رجالات الدولة السابقين حفاظاً على أمن واستقرار البلاد خلال احتدام الصراع بين الأحزاب اليسارية والقصر. أما الموقف المتحفظ على بعض الجوانب في مشروع الوثيقة، فدعا إلى إعادة تنقيحها حتى لا تصبح الطريقة المقترحة لمعالجة انتهاكات الماضي ذريعة للتغاضي عما يجري حالياً، في إشارة إلى الاعتقالات والانتهاكات القريبة العهد.
وتفادياً لإعدام هذا الملف، تجنب أعضاء “لجنة الحقيقة والإنصاف” إثارة المسؤوليات الفردية أياً كان نوعها، وأي مبادرة من شأنها أن تثير الانشقاق والضغينة أو إشاعة الفتنة. حتى تمكنت من الخروج بمجموعة من النقاط كلفت تنفيذها في أجل محدد، وتشمل اجراء تقييم شامل لمسلسل تسوية ملف الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي منذ انطلاقه، اضافة إلى جبر كل الأضرار التي لحقت بالضحايا، ومواصلة العمل الذي قامت به “هيئة التحكيم المستقلة” التي أنشئت خلال المناظرة الوطنية حول التسوية العادلة لماضي الانتهاكات الجسيمة للتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية.
مدريد ترفض الخوض في مسألتي سبتة ومليلة وترسيم الحدود البحرية
الرباط ـ عبدالصمد بن شريف
اجرى الوزير الأول (رئيس الوزراء) المغربي ادريس جطو، مباحثات مع نظيره الاسباني خوسي ماريا إزنار في إطار الاجتماع السادس المغربي الاسباني، الذي يختتم اليوم في مراكش ورفضا الإدلاء بأي تصريح عقب مباحثاتهما.
وانعقدت جلسات مغلقة بين وفدي البلدين، بحثت خلالها الملفات الساخنة التي تهم الطرفين وتتحكم في سير العلاقات بينهما، مثل الهجرة السرية، وقضية الصحراء، والمبادلات التجارية، ونوقشت الملفات المتفق بشأنها سابقا فقط، ورفض الطرف الاسباني الخوض في ملف سبتة ومليلة المحتلتين في أقصى الشمال المغربي. ورفض أيضاً إجراء مفاوضات حول ترسيم الحدود البحرية.
ورافق إزنار في زيارته للمغرب وفد رسمي يتألف من وزراء اساسيين في حكومته، إضافة الى حوالي ستين مسؤولاً رفيعاً. وسعت المباحثات المشتركة الى فتح صفحة جديدة في سجل العلاقات بين البلدين الجارين تتصف بإنصات كل طرف الى الآخر،والاحترام المتبادل بينهما، وهو ما أكده إزنار قبل قدومه بقوله إنه يزور المغرب كصديق وهو البلد التي تحذو اسبانيا معه إرادة ل “تجاوز كل الصعاب”، و”النظر بثقة الى المستقبل”، و”العمل سويا” في كل المجالات.
وشدد وزير الخارجية المغربي محمد بن عيسى على أن لقاء القمة المغربي الاسباني جاء ليعيد الثقة ولطي صفحة الماضي وفتح صفحة أخرى للعلاقات بين الجارين، لاسيما وأن هناك رغبة في تقدم هذه العلاقات. وأعرب عن أمله في أن يتم تجسيد اتفاقيات التعاون المبرمة بين البلدين والتي يتم المصادقة عليها على الواقع، لإعطاء دفعة قوية للعلاقات الثنائية.
وبخصوص ملف الهجرة السرية، عبر ابن عيسى عن ارتياحه للتطور الايجابي للتعاون بين البلدين في هذا المجال. وعن قضية الصحراء المغربية، أعرب عن ارتياحه لأن اسبانيا اصبحت تفهم جيدا الموقف المغربي إزاء هذه القضية الوطنية. ودعا الجانب الاسباني إلى مساعدة الرباط في التوصل إلى حل متفاوض بشأنه في هذا الخصوص. وهو الموقف الذي أكده إزنار عشية وصوله للمغرب، حين قال إن مدريد تدعم مجهودات الأمم المتحدة وأمينها العام، وتدعم ايضا مبدأ التفاوض بين الأطراف للتوصل الى حل”. وأكد ايضا انه يتفهم “مدى أهمية قضية الصحراء بالنسبة للمغرب”.
وبشأن دعوة الولايات المتحدة لإجراء حوار مباشر بين الجزائر والمغرب من أجل إيجاد حل نهائي لقضية الصحراء، سبق لإزنار أن شدد على أن بلاده “ترحب بكل مبادرة من شأنها أن تساعد على إيجاد حل لهذا المشكل انطلاقا من حرصها على الحفاظ على الاستقرار في المنطقة.
ويذكر أن اسبانيا تعد الشريك الاقتصادي الثاني للمغرب بعد فرنسا. كما أن الروابط التجارية والاقتصادية بين الرباط ومدريد قوية جدا. واسبانيا، حسب رئيس حكومتها، مستعدة لاشراك اصدقائها وحلفائها وجيرانها في الاستفادة من إمكانياتها، كما أنها تسجل نموا اقتصاديا جيدا، وتشغل المركز الثامن عالميا على المستوى الاقتصادي، وتمثل خامس مستثمر في العالم.
تقرير إخباري .......... القمة المغربية الاسبانية تنطلق “اليوم” في مراكش لتدشين مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين
الرباط عبدالصمد بن شريف
تنطلق اليوم “الاثنين” بمحافظة مراكش جنوب المغرب أعمال القمة المغربية الاسبانية برئاسة رئيسي وزراء البلدين المغربي ادريس جطو والاسباني خوسيه ماريا أزنار، لبحث الملفات العالقة التي ما زالت تسمم اجواء العلاقات بين بلديهما، وتأتي القمة بعد 18 شهراً من التوتر الحاد في العلاقات الثنائية بسبب تداعيات ازمة جزيرة “ليلى” والتي كادت ان تضع البلدين في مواجهة عسكرية خصوصاً وان اسبانيا اعتبرت الممارسة السيادية للمغرب آنذاك احتلالاً لجزيرة تعد جزءاً من ترابها، ولم يتردد رئيس الوزراء الاسباني، أن أعلن في خطاب ألقاه في شهر اكتوبر/ تشرين الاول الماضي في المؤسسة “العليا لدراسات الدفاع” في القول “ان قضية جزيرة ليلى أيقظتنا بشكل مفاجىء عندما تم احتلال الجزيرة، وجد جنودنا أنفسهم لأول مرة منذ عدة سنوات مضطرين للتصرف وإعادة الوضع الى ما كان عليه قبل ذلك”.
وتعود بداية توتر العلاقات المغربية الاسبانية إلى 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2001 عندما قرر المغرب سحب سفيره من مدريد احتجاجا على ما وصفته الدبلوماسية المغربية آنذاك بتراكم مواقف اسبانية معينة تجاه القضايا المغربية ومن ضمنها المقدسات، في إشارة على شخص الملك.
ويعود السبب الجوهري لهذا التأزم إلى فشل مفاوضات الصيد البحري حيث أقدمت مدريد على تجميد جميع أشكال التعاون الاقتصادي مع المغرب، وطالبت الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات ضده. ولم تكتف بهذا الموقف، بل عمدت إلى المطالبة بتأجيل القمة السنوية التي كانت ستنعقد في شهر مايو/ أيار من نفس السنة على مستوى رئيسي حكومتي البلدين. وما زاد في إثارة حفيظة الرباط، هو إجراء استفتاء في عدد من المناطق الاسبانية لمصلحة جبهة “البوليساريو”، وتساءلت “الحكومة المغربية” آنذاك:
“ماذا سيكون موقف اسبانيا لو أجرينا استفتاء في المغرب لمصلحة “الباسك” أو “الكاتالان” في المغرب؟”.
إضافة إلى هذا، نهجت مدريد استراتيجية غير مسبوقة عندما اعتبرت أن قوارب الموت في إشارة إلى المرشحين للهجرة السرية القادمين من المغرب مصدر ل “الإرهاب” بسبب احتمال تسلل عدد من أنصار ابن لادن نحو أوروبا من المغرب، وحملت الرباط مسؤولية الهجرة السرية وحدها.
كل هذه العوامل إلى جانب ما يعتبره المغرب التورط المتكرر للاسبان، “الطبقة الحاكمة والمجتمع المدني”، في قضية الصحراء، ورفض مدريد الخوض في ملف سبتة ومليلية، جعلت العلاقات الثنائية تدخل إلى النفق وتجتاز مرحلة عصيبة، لكن سرعان ما أدرك صانعو القرار السياسي في مدريد والرباط أنه ليس في مصلحة أي طرف استمرار الأزمة واللجوء إلى خيار التصعيد من هذا الجانب أو ذاك، لذلك تحركت الوساطات ونشطت الآلة الدبلوماسية بين عاصمتي الضفتين. وتعددت اللقاءات على أعلى المستويات في محاولة لإعادة المياه إلى مجاريها الطبيعية.
“ديمقراطية” بوش.. ما هدفها؟ لماذا الآن؟ وما الرد عليها؟
مصطفى الخلفي
وقال مصطفى الخلفي (باحث في العلوم السياسية الرباط): الواقع أن طرح الرئيس الأمريكي لقضية الديمقراطية في الوطن العربي ليس مسألة جديدة بل هي تأكيد لمسار أعلن عنه في أواسط ديسمبر/ تشرين الاول من السنة الماضية من طرف وزارة الخارجية الأمريكية تحت مسمى مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق الأوسطية، وتضمنت أجندتها عدة محاور منها الهجوم على العراق وإنهاء الانتفاضة وتغيير مناهج التعليم والانفتاح الاقتصادي ونشر الديمقراطية، إلا أن التشديد على طرح قضية الديمقراطية في هذه الآونة بالذات حكمته رهانات متعددة منها أولا التغطية على الفشل في الكشف عن أسلحة الدمار الشامل بالعراق وربط عملية الاحتلال بموضوع نشر الديمقراطية وهذا الأمر له نتائجه الداخلية والخارجية في وقت يشتد فيه النقد الموجه لسياسات الرئيس الأمريكي جورج بوش وتزداد فيه ضربات المقاومة العراقية، وثانيا هناك الحاجة لإيجاد آليات ذات مصداقية سواء عند الرأي العام الأمريكي أو الدولي للتدخل في السياسات المحلية لدول المنطقة العربية، بما يخدم مشاريع الهيمنة الاقتصادية والأمنية والثقافية الأمريكية، ثم ثالثا الاحتواء المسبق لأية ردود فعل مضادة من الدول العربية إزاء الموقف الأمريكي من تطورات الصراع العربي الصهيوني بعد فشل مشروع خريطة الطريق في تحقيق التسوية الأمريكية الموعودة للنزاع، وعملية الاحتواء هذه تتم من خلال إرباك سياسات الدول العربية الخارجية وإغراقها في إشكالية التكيف مع استحقاقات المشروع الأمريكي للديمقراطية، ورابعا لا ينبغي نسيان القناعة المتنامية في دوائر القرار الأمريكي بتدهور صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي واعتبار أحد مسببات ذلك الدعم الموجه لأنظمة غير ديمقراطية، وهو ما كشفته تقارير رسمية أمريكية حديثة في الأشهر الثلاثة الماضية،
وأخيرا هناك العلاقة الوطيدة بين الحرب الأمريكية ضد ما يسمى بالإرهاب وبين ما أعلنه وزير الدفاع الأمريكي من ضرورة خوض حرب الأفكار باعتبارها رديفا للحرب الأولى.
بكلمة مختصرة إن هذا الطرح يرتبط برهانات سياسية واستراتيجية أمريكية كبرى في المنطقة برزت بشكل جلي من خلال احتلال العراق وتبرز حاليا من خلال التشديد على قضية الديمقراطية في ظل الانسداد السياسي الحاد في العالم العربي مما قد يكون مدخلا مساعدا لصالح المشروع الأمريكي في المنطقة.
اضاف: جدية الطرح الأمريكي لنشر الديمقراطية في المنطقة العربية مسألة مشكوك فيها بنسبة مقدرة، وذلك لاعتبارات عدة منها الطابع الانتقائي الذي وسم الطرح الأمريكي حيث لوحظ التركيز على دول بعينها كمصر وسوريا وإغفال دول عربية أخرى لا تختلف أوضاع الحريات فيها عن تلك الدول بل قد تكون أفضل كما هو الشأن عند مقارنتها مع إيران مثلا أي أن ازدواجية المعايير هذه تجعل من الطرح الأمريكي طرحا سياسيا مصلحيا أكثر منه طرحا مبدئيا وقيميا، وثانيا الإقدام على اختيار تونس كبلد يحتضن المكتب الأمريكي الإقليمي الخاص بترويج المبادرة في المنطقة العربية وهو اختيار له دلالته السيئة بالنظر لواقع التدهور الحاد للحياة الديمقراطية بتونس، ثم ثالثا استمرار التأييد الأمريكي المقدم لحكومة الكيان الصهيوني في عدوانها ضد الشعب الفلسطيني واستعمال حق النقض ضد القرارات الأممية المدينة للكيان الغاصب على جرائمه، بل إن عددا من القراءات التي وجهت لخطاب بوش حول الديمقراطية لاحظت تركيزه على الدول ذات العلاقة المتوترة مع الكيان الصهيوني وبموازاة ذلك ارتفاع مستوى ونوعية عمليات المقاومة بالعراق مما يزيد من كشف الطابع الاستعماري للوجود الأمريكي به في ظل فشل جهود إثبات أدلة وجود أسلحة الدمار الشامل فيه رغم مرور أزيد من ستة اشهر على إسقاط النظام العراقي، ورابعا تثار مسألة الاختلال الكبير بين قوة الخطاب وهزالة الميزانية المالية المخصصة من قبيل أنه عند إعلان المبادرة في السنة الماضية خصص لها غلاف مالي بقيمة 25مليون دولار في حين أن الحرب وحدها على العراق كلفت أزيد من 120 مليار دولار، وهي معطيات تجعل من الصعب توقع تفاعل إيجابي للشعوب العربية والإسلامية مع المبادرة، ويجعل بعض الأنظمة تبحث عن آليات للتحلل من الضغط الأمريكي المعلن مادام قد وقع في الانتقائية.
وأكد ان التحول الديمقراطي هو في العمق نتاج سيرورة من التحول الداخلي تتفاعل في عوامل عدة ترتبط بانتشار الثقافة السياسية الديمقراطية في صوف المجتمع ومستوى نمو المجتمع المدني وقوة البنية الحزبية، فضلا عن الإرادة السياسية للحكم في توفير الشروط الضرورية لذلك، أي أن نشر الديمقراطية عملية داخلية بالأساس مع وجود دور مقدر للعوامل الخارجية باعتبارها عوامل مساعدة ومحفزة، والحاصل أن هذه العوامل الأخيرة قد تساهم في تخصيب الشروط المحلية مثلما نلحظ مع التأثيرات التي تحدها وسائل الإعلام والفضائيات والإنترنت، وفي الحالة الأمريكية فإن أفضل خدمة يمكن أن تقدمها إن كانت صادقة في دعواها حول نشر الديمقراطية هي في رفع دعمها عن الأنظمة غير الديمقراطية وتجنب التدخل لصالح بعض الأطراف الداخلية بما قد يؤدي إلى ضرب مصداقية تلك الأطراف ويمكّن الأنظمة المحلية من مبرر استهدافها، أي أن التدخل في الحالة الأمريكية ذو مفعول عكسي وسلبي، ولعل من المناسب التذكير بكيفية التطور التاريخي للديمقراطية الأمريكية ذاتها ومدى حظ العوامل الخارجية في ذلك، حيث أنها خضعت بالأساس لعوامل داخلية.
لا يعني هذا أن الحصيلة قد تكون صفراً بل على العكس من ذلك سيقع تشديد الضغط على بعض الدول لتقدم النموذج بعد فشل النماذج التي أريد لها أن تكون في الطليعة وخاصة العراق، إلا أن ذلك يبقى رهن النسق العام للسياسة الأمريكية المنطقة وحساباتها الهيمنية.
وانتهى الى القول: المطلوب عربيا هو امتلاك زمام المبادرة وتدشين مسار الحوار الوطني الداخلي وتكريس خيار المصالحة بين النخب والشعوب من أجل حماية ما تبقى من سيادة وطنية. فمواجهة الضغوط الأمريكية من دون تأهيل حضاري وسياسي للشعوب يبقى مسألة حالمة، إن هذه المبادرة الأمريكية أيقظت الكثير من الحكام من أن الود الأمريكي قصير وأن من الأولى الرهان على الشعوب قبل فوات الأوان، وأعتقد أن نسج خيار مغاير للوصفة الأمريكية مسألة ممكنة بشرط توفر الإرادة واستشراف المستقبل والثقة في الذات، خاصة وأن معطيات ما بعد احتلال العراق نمت من الوعي الحضاري الذاتي في صفوف النخب وعززت من قناعة أولوية البحث عن طريق منبثق من الذات الحضارية وتنمية فرص الحوار الداخلي، وهو ما يمثل أرضية صالحة لذلك.
لقد صدرت بعض الدعوات تقول بإعطاء فرصة للمبادرة الأمريكية واختبار صدقية النوايا المعلنة، وأنه ليس أمام أنصار الديمقراطية ما يخسرونه من القيام بذلك، والواقع أن هذه الدعوة المثالية تغفل حقائق التجربة التاريخية مع المبادرات الأمريكية وخاصة إزاء كل من فلسطين والعراق وتكشف عن تفاؤل مفرط يصعب إيجاد مؤشراته في الواقع، كما أن الخيار لن ينتج عنه إلا المزيد من التعطيل للجهد المطلوب محليا بل ورهنه ببرامج المبادرة الأمريكية بما قد يؤدي إلى ضرب مصداقية المنخرطين فيها وتعميق حالة الشرخ القائمة في صفوف النخب مما يمثل ضربة مؤثرة لأي برنامج مستقبلي ذاتي في التحول الديمقراطي
خالد الناصري: السياسة الامريكية لا علاقة لها بالديمقراطية
قال خالد الناصري مدير المعهد العالي للإدارة في المغرب رئيس اللجنة العربية الدائمة لحقوق الانسان: لا أظن أن هناك من محلل سياسي متبصر يعتقد أن الهدف الأمريكي المركزي هو إشاعة الديمقراطية في الوطن العربي، باعتبار أن الهاجس الأمريكي الأساسي ليس هو ذلك المشروع الأخلاقي الكبير (الديمقراطية) وإنما هو مقاربة جيوسياسية (“السلم” و”الاستقرار” بالمفهوم الأمريكي). معنى ذلك أن طرح مسألة الديمقراطية في هذه الآونة بالضبط هو مجرد آلية وليس نهاية في حد ذاته، لأن الديمقراطية، ولو في حدودها الدنيا، تخلق مناخاً سياسياً يتسم بشيء من “التطبيع المؤسسي” الذي هو مناقض، في حد ذاته للنزوعات الإقصائية والمتطرفة.
يبقى، مع كل هذا وذاك أنني لا أتعامل مع المسألة الديمقراطية على أنها أداة حرب ضد العرب، بل أنظر لها بصفتها هدفاً حضاريا، على العرب أن يجنحوا له بصفة حرة.
وأضاف: من الواضح أن السياسة الأمريكية، في عمقها الدولي، لا علاقة لها بالديمقراطية لا من قريب ولا من بعيد، وإدارة الرئيس بوش تفتقد لبعد النظر الاستراتيجي، وتتعامل مع القضايا بمنظور المتطرفين العاجزين عن التحليل المتزن والموضوعي. وهذا يفسر الانحياز الأمريكي الأخرق للسياسة “الإسرائيلية” الجنونية.
كل هذا بطبيعة الحال يجعلنا نشك في وجاهة المنحى الأمريكي وجدية طرح الموضوع، لأنه يتناقض مع التصرفات الأمريكية التي لا تزكيه عمليا.
وأكد أن الديمقراطية لا “تُستورد” ولا “ تُصدّر”، خاصة عن طريق الاحتلال العسكري. هي “خيار حر” كما تفضلتم بالتذكير به، وأضيف، أكثر من ذلك، هي نتاج مسار مجتمعي وتاريخي وسياسي تخوضه الأمم، وفق مقوماتها وإكراهاتها وإمكاناتها وطموحاتها ومؤسساتها السياسة والاجتماعية.
تبعاً لهذا، فالتخلف العربي الصارخ في مجال التراكمات الديمقراطية، مردّه عوامل تاريخية خاصة بنا، ومن ثمة فالمعالجة هي أولاً داخلية، أي على الشعوب العربية، بإيعاز من نُخبها الفاعلة، أن تحتضن المشروع، وتنفض عنها غبار العقم، أي أن تطرح موضوع الديمقراطية كمشروع حضاري وسياسي مستعجل، لا أن تنتظر الدبابات الأمريكية.
وقال ان المطلوب عربياً، أولاً، أن نؤكد أننا فعلاً في حاجة إلى بناء الصرح الديمقراطي، وألاّ نشتم الديمقراطية لمجرد أن أمريكا تحاول فرضها علينا بمفهومها الخاص.
لابد من القول بصراحة ان مسؤولية ما يحصل اليوم متبادلة، فبقدر ما أن الولايات المتحدة تتحمل فعلاً مسؤولية هذا الضغط الابتزازي على الدول العربية، بقدر ما وجب الإقرار أيضاً بأن الدول العربية نفسها، وفي غالبيتها، لم تحرك ساكنا لتحرير طاقات شعوبها في اتجاه البناء الديمقراطي. بل كرست مؤسسات وممارسات عتيقة، أكل عليها الدهر وشرب، سواء على صعيد حقوق الإنسان، أو بناء المؤسسات الحديثة. وكل ذلك كان بالإمكان بلوغه، بأقل تكلفة لو توفّر الحد الأدنى من الإرادة السياسية، دون أن نعطي واشنطن ذرائع سهلة في هذا المجال.
وعلى كل حال، فليس هناك ما يدعو لضياع مزيد من الوقت. الديمقراطية أمر حيوي ومستعجل في حد ذاته.
“ديمقراطية” بوش.. ما هدفها؟ لماذا الآن؟ وما الرد عليها؟
مصطفى الخلفي
وقال مصطفى الخلفي (باحث في العلوم السياسية الرباط): الواقع أن طرح الرئيس الأمريكي لقضية الديمقراطية في الوطن العربي ليس مسألة جديدة بل هي تأكيد لمسار أعلن عنه في أواسط ديسمبر/ تشرين الاول من السنة الماضية من طرف وزارة الخارجية الأمريكية تحت مسمى مبادرة الشراكة الأمريكية الشرق الأوسطية، وتضمنت أجندتها عدة محاور منها الهجوم على العراق وإنهاء الانتفاضة وتغيير مناهج التعليم والانفتاح الاقتصادي ونشر الديمقراطية، إلا أن التشديد على طرح قضية الديمقراطية في هذه الآونة بالذات حكمته رهانات متعددة منها أولا التغطية على الفشل في الكشف عن أسلحة الدمار الشامل بالعراق وربط عملية الاحتلال بموضوع نشر الديمقراطية وهذا الأمر له نتائجه الداخلية والخارجية في وقت يشتد فيه النقد الموجه لسياسات الرئيس الأمريكي جورج بوش وتزداد فيه ضربات المقاومة العراقية، وثانيا هناك الحاجة لإيجاد آليات ذات مصداقية سواء عند الرأي العام الأمريكي أو الدولي للتدخل في السياسات المحلية لدول المنطقة العربية، بما يخدم مشاريع الهيمنة الاقتصادية والأمنية والثقافية الأمريكية، ثم ثالثا الاحتواء المسبق لأية ردود فعل مضادة من الدول العربية إزاء الموقف الأمريكي من تطورات الصراع العربي الصهيوني بعد فشل مشروع خريطة الطريق في تحقيق التسوية الأمريكية الموعودة للنزاع، وعملية الاحتواء هذه تتم من خلال إرباك سياسات الدول العربية الخارجية وإغراقها في إشكالية التكيف مع استحقاقات المشروع الأمريكي للديمقراطية، ورابعا لا ينبغي نسيان القناعة المتنامية في دوائر القرار الأمريكي بتدهور صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي واعتبار أحد مسببات ذلك الدعم الموجه لأنظمة غير ديمقراطية، وهو ما كشفته تقارير رسمية أمريكية حديثة في الأشهر الثلاثة الماضية،
وأخيرا هناك العلاقة الوطيدة بين الحرب الأمريكية ضد ما يسمى بالإرهاب وبين ما أعلنه وزير الدفاع الأمريكي من ضرورة خوض حرب الأفكار باعتبارها رديفا للحرب الأولى.
بكلمة مختصرة إن هذا الطرح يرتبط برهانات سياسية واستراتيجية أمريكية كبرى في المنطقة برزت بشكل جلي من خلال احتلال العراق وتبرز حاليا من خلال التشديد على قضية الديمقراطية في ظل الانسداد السياسي الحاد في العالم العربي مما قد يكون مدخلا مساعدا لصالح المشروع الأمريكي في المنطقة.
اضاف: جدية الطرح الأمريكي لنشر الديمقراطية في المنطقة العربية مسألة مشكوك فيها بنسبة مقدرة، وذلك لاعتبارات عدة منها الطابع الانتقائي الذي وسم الطرح الأمريكي حيث لوحظ التركيز على دول بعينها كمصر وسوريا وإغفال دول عربية أخرى لا تختلف أوضاع الحريات فيها عن تلك الدول بل قد تكون أفضل كما هو الشأن عند مقارنتها مع إيران مثلا أي أن ازدواجية المعايير هذه تجعل من الطرح الأمريكي طرحا سياسيا مصلحيا أكثر منه طرحا مبدئيا وقيميا، وثانيا الإقدام على اختيار تونس كبلد يحتضن المكتب الأمريكي الإقليمي الخاص بترويج المبادرة في المنطقة العربية وهو اختيار له دلالته السيئة بالنظر لواقع التدهور الحاد للحياة الديمقراطية بتونس، ثم ثالثا استمرار التأييد الأمريكي المقدم لحكومة الكيان الصهيوني في عدوانها ضد الشعب الفلسطيني واستعمال حق النقض ضد القرارات الأممية المدينة للكيان الغاصب على جرائمه، بل إن عددا من القراءات التي وجهت لخطاب بوش حول الديمقراطية لاحظت تركيزه على الدول ذات العلاقة المتوترة مع الكيان الصهيوني وبموازاة ذلك ارتفاع مستوى ونوعية عمليات المقاومة بالعراق مما يزيد من كشف الطابع الاستعماري للوجود الأمريكي به في ظل فشل جهود إثبات أدلة وجود أسلحة الدمار الشامل فيه رغم مرور أزيد من ستة اشهر على إسقاط النظام العراقي، ورابعا تثار مسألة الاختلال الكبير بين قوة الخطاب وهزالة الميزانية المالية المخصصة من قبيل أنه عند إعلان المبادرة في السنة الماضية خصص لها غلاف مالي بقيمة 25مليون دولار في حين أن الحرب وحدها على العراق كلفت أزيد من 120 مليار دولار، وهي معطيات تجعل من الصعب توقع تفاعل إيجابي للشعوب العربية والإسلامية مع المبادرة، ويجعل بعض الأنظمة تبحث عن آليات للتحلل من الضغط الأمريكي المعلن مادام قد وقع في الانتقائية.
وأكد ان التحول الديمقراطي هو في العمق نتاج سيرورة من التحول الداخلي تتفاعل في عوامل عدة ترتبط بانتشار الثقافة السياسية الديمقراطية في صوف المجتمع ومستوى نمو المجتمع المدني وقوة البنية الحزبية، فضلا عن الإرادة السياسية للحكم في توفير الشروط الضرورية لذلك، أي أن نشر الديمقراطية عملية داخلية بالأساس مع وجود دور مقدر للعوامل الخارجية باعتبارها عوامل مساعدة ومحفزة، والحاصل أن هذه العوامل الأخيرة قد تساهم في تخصيب الشروط المحلية مثلما نلحظ مع التأثيرات التي تحدها وسائل الإعلام والفضائيات والإنترنت، وفي الحالة الأمريكية فإن أفضل خدمة يمكن أن تقدمها إن كانت صادقة في دعواها حول نشر الديمقراطية هي في رفع دعمها عن الأنظمة غير الديمقراطية وتجنب التدخل لصالح بعض الأطراف الداخلية بما قد يؤدي إلى ضرب مصداقية تلك الأطراف ويمكّن الأنظمة المحلية من مبرر استهدافها، أي أن التدخل في الحالة الأمريكية ذو مفعول عكسي وسلبي، ولعل من المناسب التذكير بكيفية التطور التاريخي للديمقراطية الأمريكية ذاتها ومدى حظ العوامل الخارجية في ذلك، حيث أنها خضعت بالأساس لعوامل داخلية.
لا يعني هذا أن الحصيلة قد تكون صفراً بل على العكس من ذلك سيقع تشديد الضغط على بعض الدول لتقدم النموذج بعد فشل النماذج التي أريد لها أن تكون في الطليعة وخاصة العراق، إلا أن ذلك يبقى رهن النسق العام للسياسة الأمريكية المنطقة وحساباتها الهيمنية.
وانتهى الى القول: المطلوب عربيا هو امتلاك زمام المبادرة وتدشين مسار الحوار الوطني الداخلي وتكريس خيار المصالحة بين النخب والشعوب من أجل حماية ما تبقى من سيادة وطنية. فمواجهة الضغوط الأمريكية من دون تأهيل حضاري وسياسي للشعوب يبقى مسألة حالمة، إن هذه المبادرة الأمريكية أيقظت الكثير من الحكام من أن الود الأمريكي قصير وأن من الأولى الرهان على الشعوب قبل فوات الأوان، وأعتقد أن نسج خيار مغاير للوصفة الأمريكية مسألة ممكنة بشرط توفر الإرادة واستشراف المستقبل والثقة في الذات، خاصة وأن معطيات ما بعد احتلال العراق نمت من الوعي الحضاري الذاتي في صفوف النخب وعززت من قناعة أولوية البحث عن طريق منبثق من الذات الحضارية وتنمية فرص الحوار الداخلي، وهو ما يمثل أرضية صالحة لذلك.
لقد صدرت بعض الدعوات تقول بإعطاء فرصة للمبادرة الأمريكية واختبار صدقية النوايا المعلنة، وأنه ليس أمام أنصار الديمقراطية ما يخسرونه من القيام بذلك، والواقع أن هذه الدعوة المثالية تغفل حقائق التجربة التاريخية مع المبادرات الأمريكية وخاصة إزاء كل من فلسطين والعراق وتكشف عن تفاؤل مفرط يصعب إيجاد مؤشراته في الواقع، كما أن الخيار لن ينتج عنه إلا المزيد من التعطيل للجهد المطلوب محليا بل ورهنه ببرامج المبادرة الأمريكية بما قد يؤدي إلى ضرب مصداقية المنخرطين فيها وتعميق حالة الشرخ القائمة في صفوف النخب مما يمثل ضربة مؤثرة لأي برنامج مستقبلي ذاتي في التحول الديمقراطي
خالد الناصري: السياسة الامريكية لا علاقة لها بالديمقراطية
قال خالد الناصري مدير المعهد العالي للإدارة في المغرب رئيس اللجنة العربية الدائمة لحقوق الانسان: لا أظن أن هناك من محلل سياسي متبصر يعتقد أن الهدف الأمريكي المركزي هو إشاعة الديمقراطية في الوطن العربي، باعتبار أن الهاجس الأمريكي الأساسي ليس هو ذلك المشروع الأخلاقي الكبير (الديمقراطية) وإنما هو مقاربة جيوسياسية (“السلم” و”الاستقرار” بالمفهوم الأمريكي). معنى ذلك أن طرح مسألة الديمقراطية في هذه الآونة بالضبط هو مجرد آلية وليس نهاية في حد ذاته، لأن الديمقراطية، ولو في حدودها الدنيا، تخلق مناخاً سياسياً يتسم بشيء من “التطبيع المؤسسي” الذي هو مناقض، في حد ذاته للنزوعات الإقصائية والمتطرفة.
يبقى، مع كل هذا وذاك أنني لا أتعامل مع المسألة الديمقراطية على أنها أداة حرب ضد العرب، بل أنظر لها بصفتها هدفاً حضاريا، على العرب أن يجنحوا له بصفة حرة.
وأضاف: من الواضح أن السياسة الأمريكية، في عمقها الدولي، لا علاقة لها بالديمقراطية لا من قريب ولا من بعيد، وإدارة الرئيس بوش تفتقد لبعد النظر الاستراتيجي، وتتعامل مع القضايا بمنظور المتطرفين العاجزين عن التحليل المتزن والموضوعي. وهذا يفسر الانحياز الأمريكي الأخرق للسياسة “الإسرائيلية” الجنونية.
كل هذا بطبيعة الحال يجعلنا نشك في وجاهة المنحى الأمريكي وجدية طرح الموضوع، لأنه يتناقض مع التصرفات الأمريكية التي لا تزكيه عمليا.
وأكد أن الديمقراطية لا “تُستورد” ولا “ تُصدّر”، خاصة عن طريق الاحتلال العسكري. هي “خيار حر” كما تفضلتم بالتذكير به، وأضيف، أكثر من ذلك، هي نتاج مسار مجتمعي وتاريخي وسياسي تخوضه الأمم، وفق مقوماتها وإكراهاتها وإمكاناتها وطموحاتها ومؤسساتها السياسة والاجتماعية.
تبعاً لهذا، فالتخلف العربي الصارخ في مجال التراكمات الديمقراطية، مردّه عوامل تاريخية خاصة بنا، ومن ثمة فالمعالجة هي أولاً داخلية، أي على الشعوب العربية، بإيعاز من نُخبها الفاعلة، أن تحتضن المشروع، وتنفض عنها غبار العقم، أي أن تطرح موضوع الديمقراطية كمشروع حضاري وسياسي مستعجل، لا أن تنتظر الدبابات الأمريكية.
وقال ان المطلوب عربياً، أولاً، أن نؤكد أننا فعلاً في حاجة إلى بناء الصرح الديمقراطي، وألاّ نشتم الديمقراطية لمجرد أن أمريكا تحاول فرضها علينا بمفهومها الخاص.
لابد من القول بصراحة ان مسؤولية ما يحصل اليوم متبادلة، فبقدر ما أن الولايات المتحدة تتحمل فعلاً مسؤولية هذا الضغط الابتزازي على الدول العربية، بقدر ما وجب الإقرار أيضاً بأن الدول العربية نفسها، وفي غالبيتها، لم تحرك ساكنا لتحرير طاقات شعوبها في اتجاه البناء الديمقراطي. بل كرست مؤسسات وممارسات عتيقة، أكل عليها الدهر وشرب، سواء على صعيد حقوق الإنسان، أو بناء المؤسسات الحديثة. وكل ذلك كان بالإمكان بلوغه، بأقل تكلفة لو توفّر الحد الأدنى من الإرادة السياسية، دون أن نعطي واشنطن ذرائع سهلة في هذا المجال.
وعلى كل حال، فليس هناك ما يدعو لضياع مزيد من الوقت. الديمقراطية أمر حيوي ومستعجل في حد ذاته.
وزيرة الجالية المغربية في الخارج نزهة الشقروني ل الخليج: الحد من مأساة الهجرة غير المشروعة يتطلب محاربة الفوارق بين بلدان الشمال
الرباط عبدالصمد بن شريف
قالت الوزيرة المنتدبة المكلفة بالجالية المغربية المقيمة في الخارج نزهة الشقروني إن حكومة بلادها تعمل بكل جهد على محاربة شبكات تهريب الأشخاص والحد من الهجرة غير المشروعة والتي وصفتها في حوار ل “الخليج” بأنها مأساة انسانية للمغاربة والعرب والأفارقة. وقالت إن الحل الحقيقي لهذه الظاهرة المتنامية يكمن في محاربة الفوارق الشاسعة بين بلدان الشمال والجنوب وتطوير المبادلات في إطار سياسة التنمية المشتركة، وتتطلب كذلك تحركاً دولياً مشتركاً واضح المعالم. وأوضحت الوزيرة ان هناك ارادة وقناعة مشتركتين لدى الرباط ومدريد بتجاوز سلبيات الماضي وتالياً نص الحوار:
قال الملك محمد السادس قبل أيام إن محاربة شبكات تهريب الأشخاص سيشكل أولوية في عمل الحكومة، ما الخطوات المرتقبة في هذا الاتجاه؟
تتمثل الخطوات الحكومية في تجنيد وتعبئة كل الطاقات البشرية والتقنية والمادية اللازمة لمحاربة شبكات تهريب الأشخاص التي تتلاعب بمصير وحياة الآلاف من الرجال والنساء والأطفال. وتقذف بهم بشكل لا إنسانى في مواجهة أمواج البحر العاتية في رحلات يائسة نحو “الفردوس” الوهمي.
لماذا لم تتمكن السلطات الأمنية المغربية حتى الآن من محاربة ظاهرة تهريب الأشخاص، أو الحد منها على الأقل؟
ينبغي التركيز هنا على أن السلطات ليست وحدها معنية بإيجاد الأجوبة الملائمة عن تنامي هذه الظاهرة الخطيرة، بل تتقاسم المسؤولية كل بلدان المحيط الجيو استراتيجي الذي نعيش فيه، وقد بذلت السلطات المغربية لعدة سنوات كل ما تملكه من امكانات ومجهودات ملموسة للحد من خطورة الوضعية، ولا شك أن المبادرة الملكية الجديدة ستعطي زخما قوياً للجهود المغربية المستقبلية في هذا المجال.
هل سيشكل القانون الجديد حول الهجرة بما يتضمنه من بنود عقابية وإجراءات حلا للظاهرة؟
سيشكل هذا القانون بالضرورة مساهمة في البحث عن حلول لها وسيكون جزءا من مجهودات المغرب الهادفة إلى دعم الحق والقانون، مع إقرار الضمانات الأساسية لاحترام انسانية الراغبين في الهجرة بكل الوسائل، وعدم التهاون في الضرب بصرامة على أيدي الشبكات المنظمة للاتجار في الأرواح البشرية البريئة والاستغلال البشع لأوضاعها الاجتماعية المأساوية، ويلزم التأكيد هنا على أن القانون وحده ليس كافيا مهما كانت ايجابيته، بل هو مكون أساسي من الاستراتيجية الوطنية لمحاربة آفة الهجرة غير الشرعية، ومعالجة أسبابها الحقيقية.
يجري الحديث عن استراتيجية وطنية لمحاربة تهريب الأشخاص ومراقبة الحدود، من خلال مديرية سيتم تشكيلها في هذا الشأن، ما الخطوط العريضة لهذه الاستراتيجية واختصاصات هذه المديرية؟
ستنكب المديرية الجديدة التابعة لوزارة الداخلية، والتي أعلن إحداثها الملك مؤخراً، على دراسة أفضل السبل الكفيلة بمحاربة الظاهرة، بمساهمة كل الهيئات الحكومية والمؤسسات المعنية بقضايا الهجرة، ولا شك أن الجهات المختصة ستعلن في الأيام القريبة المقبلة عن خطة عملها وبرامجها الهادفة إلى تنفيذ التعليمات الملكية الواضحة في هذا الميدان.
ما المهام التي سيضطلع بها مرصد الهجرة المزمع إحداثه، وهل سيتم تمكينه بكل مستلزمات العمل من امكانات مادية وموارد بشرية، علما أن الهجرة بشقيها القانوني والسري تشكل ظاهرة سوسيولوجية وثقافية بامتياز؟
لا شك أن مرصد الهجرة سيضطلع بمهام البحث الإحصائي، وإنجاز الدراسات العلمية المتعلقة بتطور كل أشكال الهجرة المعاصرة، ولن تدخر الوزارة المنتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون المكلفة بالجالية المغربية المقيمة في الخارج أي جهد للمساهمة الإيجابية في المجهود الوطني الهادف إلى تعميق البحث حول هذه الظاهرة السوسيولوجية المتعددة الأوجه والأبعاد، في إطار الشراكة مع هيئات المجتمع المدني والمنظمات الدولية المتخصصة، ولا يمكن لأحد أن يخفي أن الهجرة غير الشرعية تشكل مأساة إنسانية ليس فحسب بالنسبة للمواطنين المغاربة، ولكن أيضا بالنسبة للمغاربيين والعرب والأفارقة وغيرهم، ممن يعانون ظروفاً اجتماعية صعبة، تجعلهم مضطرين للتشبث ولو بسراب الحلم باجتياز الضفة الأخرى من العالم.
انتقدت كثير من وسائل الإعلام وفعاليات المجتمع المدني وحتى الفعاليات السياسية في اسبانيا تماطل مصالح الإنقاذ الإسبانية التي لم تتدخل لإغاثة مهاجرين مغاربة لقوا مصرعهم قبالة محافظة “قادس”، بماذا تعلقين؟
لا شك أن السلطات الإسبانية تقوم بما في وسعها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولا شك أيضا أن الإمكانات المتاحة لا ترقى إلى حجم التحديات التي تطرحها ظاهرة الهجرة غير الشرعية، ويستوجب هذا بالضرورة تكثيف المجهودات المشتركة، معالجة الأوضاع بما تفرضه من حكمة وصرامة وتبصر وانفتاح على المستقبل، وقد أكد المؤتمر الوزاري الثاني حول الهجرة في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط، الذي استضافته بلادنا في أكتوبر/تشرين أول الماضي، على ضرورة اعتماد المقاربة الشمولية والمندمجة لمعالجة الظاهرة.
تتزايد وتيرة الممارسات العنصرية ضد المغاربة في اسبانيا، وقد نددت الحكومة المغربية بهذه الممارسات، وساندتها وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية الاسبانية، لكن هل يكفي التنديد وحده لصيانة كرامة المغاربة؟
نؤكد تنديدنا الصارم بهذه الممارسات التي لا تخدم بأي حال تطلعاتنا المشتركة نحو بناء الغد الأفضل، فالمغرب واسبانيا محكوم عليهما بالتعاون المثمر، بحكم الجوار والتاريخ والمستقبل المشتركين، ولا تفوتني الفرصة دون أن أجدد الإدانة لكل أشكال التطرف الديني والتعصب المذهبي والتمييز العنصريين التي يذهب ضحيتها بعض مواطنات ومواطني المهجر، مع التأكيد على ضرورة استنهاض دور الدبلوماسية البرلمانية والدور الحيوي للجمعيات الحقوقية والمجتمع المدني بصفة عامة، للدفاع عن حقوق ومكتسبات المهاجرين المغاربة أينما تواجدوا، فحتى الهجرة الشرعية تعاني بدورها من العديد من الإشكالات العميقة.
صرحت وزيرة الخارجية الإسبانية “أنا بالاثيو” مؤخرا أن المغرب واسبانيا مجبرتان على التفاهم، لأنهما تتقاسمان مستقبلا مشتركا، ما حجم الانعكاس السلبي لظاهرة الهجرة السرية على العلاقات الثنائية بين البلدين بالنظر إلى هذا التصريح؟
هناك إرادة وقناعة مشتركتان لدى الطرفين بتجاوز سلبيات الماضي، والتوجه بثبات نحو المستقبل في إطار سياسة حسن الجوار والاحترام المتبادل، وستنكب مجموعات عمل في القريب العاجل على معالجة أسباب تنامي ظاهرة الهجرة غير الشرعية، واستكشاف الطرق الصحيحة للحد من خطورتها وتداعياتها على العلاقات الثنائية، وما من شك في أن الآليات الجديدة للتعامل مع هذا الملف ستؤدي بالفعل إلى إيجاد الأجوبة الملائمة للمشكلات المطروحة.











